عندما ينشط الاستيطان بعد التطبيع الإماراتي

07 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

لم يكن اختيار جامعة مستوطنة إرئيل في شمال الضفة الغربية مكانا لتوقيع اتفاقية تعاون إسرائيلية أميركية عبثا، الأسبوع الماضي، بل كان رسالة إلى القاصي والداني أن مشروع ضم أراض فلسطينية جديدة لدولة الاحتلال، وفرض السيادة الإسرائيلية على مناطق واسعة من الضفة الغربية، مستمر ومتواصل، ولن توقفه اتفاقيات التطبيع التي حاول حكام الإمارات أن يبرّروا السقوط في وحل التطبيع لمنعه. لا بل إن قراءة تفاصيل الاتفاقية تفيد بأن الحديث لا يدور عن تطبيع فقط، بقدر ما هو تحالف أميركي إسرائيلي إماراتي ضد أهم مكونات المنطقة الأصلية، لا سيما إيران وحلفائها وتركيا، وحاول الإعلام الإماراتي والسعودي والبحريني تحويل تسويق الاتفاقية إنجازا، طالما أنها ستوقف مشروع الضم الإسرائيلي، وهو ما نفاه المتحدثون الأميركيون والإسرائيليون، وها هي الأفعال تؤكّد أن اتفاقيات التطبيع، وخصوصا الإماراتية، شكلت رافعة للاستيطان والضم، وليس العكس كما ادّعى حكام الإمارات.

الحديث لا يدور عن تطبيع فقط، بقدر ما هو تحالف أميركي إسرائيلي إماراتي ضد أهم مكونات المنطقة الأصلية، لا سيما إيران وحلفائها وتركيا

توقيع رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، مع سفير واشنطن في إسرائيل، ديفيد فريدمان، اتفاقية التعاون العلمي، في المستوطنة، يجسّد الاعتراف الأميركي بسيادة دولة إسرائيل على مناطق في الضفة الغربية، وكأن المستوطنات اليهودية غير القانونية في الضفة الغربية أصبحت، في عرف الإدارة الأميركية وحكومة إسرائيل، مثل العاصمة التي يتم توقيع الاتفاقيات بين الدول فيها. وتضمّنت الاتفاقية إنشاء ثلاثة صناديق مالية بعشرات ملايين الدولارات للاستثمار والبحث العلمي في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية فقط، بعد أن تضمنت الاتفاقية رفع الحظر عن الاستثمار الأميركي والدولي في هذه المستوطنات.

وفي سياق الضم الإسرائيلي الفعلي على الأرض، والأكثر خطورة، إذ بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وللمرة الأولى منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، بمنح شهادات تسوية طابو لمستوطنين في الضفة الغربية، ما يشكل ضمّا فعليا وفرض السيادة وقوانين الكنيست الإسرائيلي المعمول فيها داخل إسرائيل. وبهذا تكون قد قلصت من مساحة (وهامش) صلاحيات ما يسمى القائد العسكري لجيش الاحتلال على المناطق المحتلة، وذلك وفق القانون الدولي.

الأفعال تؤكّد أن اتفاقيات التطبيع، وخصوصا الإماراتية، شكلت رافعة للاستيطان والضم، وليس العكس كما ادّعى حكام الإمارات

وقد تصاعدت، منذ توقيع اتفاقية التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، وما تلاها من اتفاقيات شبيهة، حملات الاستيطان والهدم الإسرائيلية، والتي تستهدف المناطق المنوي ضمّها إسرائيليا، وتعدّ المخزون الأكبر للأراضي والمياه والصخور الفلسطينية، حيث أقدم جيش الاحتلال على تدمير خط للمياه، يخدم قرى مدينة يطا الشرقية والجنوبية في محافظة الخليل (أقصى جنوب الضفة الغربية). وهدمت عدة مبانٍ في المنطقة نفسها، والتي تشكّل جزءا كبيرا من المناطق المنوي ضمها، وتضم حوالي ثماني قرى فلسطينية في منطقة مسافر يطا، والممتدة من الخليل غربا وحتى البحر الميت والحدود الأردنية شرقا. وكان معهد عكيفوت الإسرائيلي لدراسة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قد عثر، قبل أسابيع، على وثيقة صادرة عن إرئيل شارون، حين كان وزير الزراعة الإسرائيلية في حكومة مناحيم بيغن الأولى في 1981، وتدعو إلى طرد مواطني تلك القرى الفلسطينيين وترحيلهم، والذين سماهم شارون، في الوثيقة، العرب القرويين في جبل الخليل. ولتحقيق ذلك، طالب شارون، في حينه، الجيش الإسرائيلي على إقامة معسكرات تدريبات له في تلك المناطق، وطرد الفلسطينيين منها بذريعة حاجة الجيش الإسرائيلي لكل المنطقة للتدريبات، وحتى عدم السماح لهم بفلاحة أراضيهم وزراعتها بحجة أنها منطقة نيران، الأمر الذي تستخدمه المحاكم الإسرائيلية اليوم لتسجيلها أراضي دولة، بحجّة أن صور الأقمار الصناعية الملتقطة في الثلاثين عاما الأخيره تكشف أن أصحابها لم يقوموا بحراثتها أو فلاحتها، الأمر الذي يسهل مصادرتها وتسجيلها للمستوطنين أو للدولة، في تجاهل أن الجيش الإسرائيلي هو الذي منع أصحابها الفلسطينيين من الوصول إليها وزراعتها لاستخدامها للتدريبات العسكرية.

منع الجيش الإسرائيلي مواطنين فلسطينيين من دخول أراضيهم وزراعتها، ومنع ربط تلك القرى بالبنية التحتية الأساسية

منع الجيش الإسرائيلي المواطنين الفلسطينيين من دخول أراضيهم وزراعتها، ومنع ربط تلك القرى بالبنية التحتية الأساسية من مياه وكهرباء وعيادات صحية وغرف دراسية وغيرها. وأقامت حكومة إسرائيل عدة مستوطنات يهودية بين تلك القرى وفي محيطها، وأحالت حياة المواطنين الفلسطينيين هناك إلى جحيم، وتم ربط كل هذه المستوطنات بالمياه والكهرباء والشوارع العريضة وشبكات الاتصالات الخلوية الإسرائيلية، وأقامت مستعمرات زراعية تضم مزارع دواجن وأبقار وأغنام ودفيئات زراعية، مستخدمة الأراضي الفلسطينية والمياه التي تم حرمان أصحابها الأصليين منها، في ظل منع وصول المؤسسات الفلسطينية، وخصوصا التابعة للسلطة الفلسطينية، كون هذه المناطق C، ولولا صمود مواطني تلك القرى، على الرغم من الظروف المأساوية التي يعشيون فيها، لبنت إسرائيل مستوطناتٍ محلها. وكثيرا ما تطرد السلطات الإسرائيلية ممثلي المؤسسات الدولية واليسارية الإسرائيلية الذين يقدمون المساعدات لمواطني تلك القرى بسبب سهولة وصولهم إليها، بعد منع مؤسسات السلطة الفلسطينية من العمل هناك.

زادت إسرائيل من وتيرة مشروعها الاستيطاني، بعد توقيع الاتفاقيات مع الإمارات والبحرين والسودان

في إحدى جلسات المحكمة الإسرائيلية للمطالبة بتزويد القرى الفلسطينية هناك بالمياه والكهرباء والطرق، رد أحد قادة المستوطنين اليهود في المحكمة، بالطريقة الاستعلائية المعروفة، بأن اليهود أكثر حاجة واستخداما للمياه، بعكس العرب الذين تعودوا على الحياة في الصحاري، مع قليل من الاستحمام والاستخدامات الأخرى للمياه. ويأتي هذا الحديث العنصري عن العرب، في وقتٍ يهرول بعض العرب باتجاه دولة هذا المستوطن، للاستفادة من حضارتها وأخلاقها التي يتم ترويجها منذ فترة من بعض أبواق الحكام وفضائياتهم، والتي يحمل بعضها اسم لغة الضاد، وتحولت إلى منابر ومنصّات لبث الرواية الصهيونية وترويجها، وإضعاف الرواية الفلسطينية التاريخية وتشويهها.

تكشف متابعة دقيقة للشأن الاستيطاني، ومشروع ضم أراض في الضفة الغربية، أن إسرائيل زادت من وتيرة مشروعها الاستيطاني، بعد توقيع الاتفاقيات مع الإمارات والبحرين والسودان، وأصبحت اتفاقيات التطبيع تشكل رافعة للاستيطان، وليس العكس كما حاولت أبوظبي الادعاء. وعدا عن المصادقة على بناء حوالي خمسة آلاف وحدة استيطانية في الأسابيع الماضية، لا يمرّ يوم إلا وتُهدم فيه منازل فلسطينية ودفيئات وبركسات وخطوط مياه، وليس جديدها ما جرى قبل أيام من تدمير بركسات ومزارع أبقار فلسطينية في مناطق الأغوار الفلسطينية ومسافر يطا والخليل ومدينة القدس.