عندما يغيب الرئيس

26 يوليو 2026

عاش التونسيون أخيراً حالة من الاضطراب والتوتر غير مسبوقة. ويعود السبب إلى الانقطاع المتكرّر للماء والكهرباء من دون إنذار مسبق. كذلك داهمتهم أكثر من 900 حريق انتشرت في أبرز غاباتهم الغنية بالأشجار، وذلك بعد أن تجاوزت الحرارة 50 درجة في بعض المناطق، وهو ما حوّل حياتهم في بضعة أيام إلى جحيم، وأفقدهم الصبر والتحمّل، خصوصاً بعد أن ترتب على قطع الكهرباء وفاة مرضى عديدين تجاوزوا، حسب بعض التقديرات، 150 مريضاً ومريضة. وبما أن هذه النكبة الجديدة حصلت في وضع اجتماعي واقتصادي صعب قلب حياة التونسيين رأساً على عقب، فقد رفع ضغطهم وزاد في توترهم، فاندفع آلاف منهم نحو الشوارع، احتجاجاً على المسؤولين عن هذه الأوضاع، وطالبوهم بمصارحتهم وتحمّل مسؤولياتهم أمام مواطنيهم. فإلى أين تسير الأوضاع في هذا البلد الذي متّعه الله بخيراتٍ كثيرة، لكن الحكومات المتعاقبة عجزت عن التصدّي لذلك؟

رغم أن الحرارة المرتفعة ظاهرة طبيعية تتجاوز مسؤولية السلطة، إلا أنها بدل أن تعالج هذه الأزمة وغيرها بعقلانية وبشكل عاجل، جرى اللجوء إلى حلول لا يرى فيها عقلاء كثيرون العلاج الناجع لأمراض مزمنة. لقد قرّرت النيابة العمومية بطلب من الحكومة "فتح أبحاث قضائية لسماع المسؤولين عن الشركة التونسية للكهرباء وتحميلهم المسؤولية الجزائية بسبب قطعهم الكهرباء على السكان". وهذا يعني اختزال الأمر في أخطاء إدارية لبعض موظفين في مؤسسة تابعة للدولة، وإن كان بعضٌ يستبعدون محاكمة هؤلاء في الأوضاع الراهنة.

رئيس الجمهورية مقتنع بأن الأزمات التي يعاني منها المواطنون مفتعلة، وأن كثيراً منها حُرِّكَت عمداً من أجل توتير الأوضاع الداخلية، ودفع المواطنين إلى الاحتجاج والتمرّد من أجل إطاحة النظام، خدمة لجهات أجنبية. ويندرج هذا الموقف في سياق الصراع الدائر بين السلطة والمعارضة، وهو ملفٌّ شائكٌ يحتاج إلى تحليل عميق. فمعظم الأحزاب المعارضة تريد فعلاً تغيير النظام، ولا تخفي هذا، وتعتبره جزءاً من طبيعة عملها، فهي تسعد كثيراً كلما تفاقمت المشكلات وتعتقد أن ما يجري تأكيدٌ لقولها إن النظام غير قادر على الوفاء بوعوده. وهي مستمرّة في هذا الطريق مهما انحسر نشاطها، ومهما تعدّدت وسائل تحجيمها. لكن المؤكد أيضاً أن هذه الأحزاب لا يمكن تحميلها مسؤولية العجز الذي تعاني منه المؤسّسات العمومية التي تشكو من نقص فادح في تمويل ميزانياتها، الأمر الذي تفاقم في السنوات الأخيرة.

ومما زاد الأمر غموضاً أن متابعي النشاط الرئاسي لاحظوا أن صفحة رئيس الجمهورية خلت من أي نشاط تسعة أيام، وهي المصدر الوحيد لمعرفة ما يجري على أعلى مستوى في الدولة. وكان هذا الغياب كافياً ليفتح باب التأويل واسعاً، حيث تعدّدت التأويلات والسيناريوهات المجنحة في هذا الاتجاه أو ذاك. وقد اندفع بعضهم إلى القول إن الرئيس سعيّد نقل على وجه السرعة لإجراء عملية جراحية قلب مفتوح. وسرت هذه الأخبار بين المواطنين كالنار في الهشيم. وفجأة تبين أن هذه الأخبار ليست صحيحة، أو أن التشخيص الذي حصل ضُخِّم لتعميق الحيرة في صفوف التونسيين. وهو ما استغله أنصار سعيّد لمزيد من توريط المعارضة التي روجت هذه الأخبار من دون التثبت من مصدرها. وقد كان لذلك وقع سيّئ في صفوف التونسيين الذين تاهوا بين معارضة تنقصها الخبرة والحكمة أحياناً في إدارة الصراع السياسي وتوظيف نتائجه، ونظام مركزي يتعمد إخفاء المعلومات ويحاصر حرية التعبير.

في ظل نظام يتمتع فيه رئيس الدولة بكل الصلاحيات، ويفتقر إلى آلية دستورية واضحة تضمن انتقال السلطة، ولا يخضع الرئيس لأي جهة تتولى محاسبته في أثناء ممارسة مهامه، يعتبر غيابه فجأة مسألة في غاية الدقة والخطورة، فالمصلحة العليا تقتضي على الأقل إعلام المواطنين بكل غياب يحصل وبأسبابه، لأن من حقه أن يرتاح ويجري الفحوص. لكن على من يريد غلق أبواب الإشاعات أن يكون واضحاً وشفافاً، فعواقب السير في العتمة سيئة.

266D5D6F-83D2-4CAD-BB85-E2BADDBC78E9
صلاح الدين الجورشي

مدير مكتب "العربي الجديد" في تونس