عندما يعاني المقدسيون من البيرقراطية الأردنية

29 ديسمبر 2025

مسافرون فلسطينيون ينتظرون على الجانب الأردني من جسر الملك حسين (19/7/2025 فرانس برس)

+ الخط -

أعادت السلطات الأردنية على جسر الملك حسين (يوم الجمعة) عائلةً مقدسيةً مؤلفةً من أمّ وطفليها، بحجّة أنهم غادروا فلسطين المحتلة من دون حمل التصريح الورقي الإسرائيلي، رغم تأشيرة دخولٍ إلى الأردن متعدّدة السفرات معهم، صادرة عن وزارة الخارجية الأردنية، ووثيقة تضمن حقّهم، بوصفهم مقيمين في القدس، في العودة إليها.
تفسيران متداولان لهذا القرار المُجحِف، لكنهما لا يصمدان أمام الحقائق على الأرض. يرتبط الأول برفض الأردن اعتبار جسر الملك حسين حدوداً دولية مع إسرائيل، وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكن تطبيقه يجري بمزاجيّة لا تستند إلى قاعدة ثابتة. فالأجانب غير المقدسيين على سبيل المثال يُسمح لهم بالدخول عبر هذا المعبر بجوازاتهم الأجنبية ما دام لديهم تأشيرة مسبقة للأردن، بينما لا يُمنح المقدسيون المعاملة ذاتها، لنصل إلى التفسير الثاني، وهو أيضاً غير متماسك.

المطلوب أن تعيد الدولة الأردنية النظر في اشتراط الحصول على التصريح الإسرائيلي الذي يسبب ضرراً كبيراً للمقدسيين

منذ 1967 اعتمد الأردن مبدأ السماح للفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية، بما فيها القدس، بالسفر إلى الأردن ومن خلاله إلى العالم، على أساس حيازتهم جوازات سفر أردنية، كما جرى التعاون مع رئيس بلدية غزّة آنذاك، رشاد الشوّا، للسماح لأهل غزّة بالسفر عبر وثيقة صادرة عن البلدية عُرفت باسم "تصريح الشوّا". وفي الوقت نفسه، كان مطلوباً منهم، من الناحية الإسرائيلية، حيازة تصريح سفر ورقي يتضمّن عبارة تؤكّد أنّ من يحمله يحقّ له العودة خلال ثلاث سنوات من تاريخ صدوره.
وبعد اتفاق المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي، وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، والسماح لها بإصدار جواز سفر فلسطيني، أُلغي شرط التصريح الإسرائيلي عن أهل الضفة الغربية، وسمح لهم بالتنقّل بجواز السفر الفلسطيني، لكن الإجراء بقي مفروضاً على سكّان القدس على أساس أنه الضامن الوحيد لمنع سياسات التطهير العرقي، أو ما كان يُعرف بـ"الترانسفير الإداري". ولكن هذه الحجّة لم تكن متناسقةً ولا مبدئيةً، إذ أصبح لدى المقدسيين مسارات متعدّدة للسفر، منها مطار اللّد، وجسر الشيخ حسين، ومعبر وادي عربة، بينما يبقى جسر الملك حسين الأقرب. ويسافر المقدسيون عبر كل تلك المعابر بوثيقة السفر الإسرائيلية (laissez passer)، وهي شبيهة بجواز السفر، يُذكر فيها أن جنسية حاملها "أردني"، ومدّة سريانها خمس سنوات، وتشمل ختماً خاصاً بحقّ العودة (return entry)، كما جرى توفير الحقّ نفسه لحملة الجنسيات الأجنبية من المقدسيين، حاملي هُويَّة الإقامة.
الواقع أن مدير الجسر يملك صلاحيات واسعة، ويمنح استثناءاتٍ لأسباب متعدّدة أو وفق تقديره الشخصي. وهناك مئات (منهم كاتب هذه السطور) مستعدّون للشهادة على كثرة هذه الاستثناءات. وهذا يعني أن الأمر ليس "خطراً قومياً" ولا سياسةً ثابتة، بل مسألة مرنة. وفي حالة العائلة المذكورة، جرى التشدّد على نحوٍ تعسّفي مع امرأة مقدسية وطفليها، ما ترك غصّةً في نفوس أطفال كانوا يتطلّعون إلى زيارة الأقارب والاستمتاع بالعيد. قد يكون التصعيد الكلامي الإسرائيلي حول تهويد القدس هو ما أدى إلى التشدّد، لكن المسافرين باستمرار لم يعرفوا أن القرار أصبح غير خاضع لأيّ نقاش، وأتوقّع أن الاستثناءات والوساطات التي عرفناها منذ سنين ستستمرّ.
والحقيقة، كما علمنا، أن مكتب الداخلية في الجانب الإسرائيلي كان متكدّراً جدّاً، وتوقّعت المسافرة أنه كما سُمح لبعضٍ في السابق فسيُسمح هذه المرّة، خصوصاً أن الأمر في فترة أعياد يتطلّع فيها الأطفال إلى زيارة جدّتهم الأردنية، كما لا يتوقّع المقدسي الذي يحمل جواز سفر أردنياً ساري المفعول، ووثيقة تكفل له حقّ العودة، أن يُمنع من السفر إلى الأردن أو عبره، خصوصاً في ظروف حسّاسة مثل ظهر الجمعة، حين يكون الجسر مغلقاً نصف اليوم، إضافة إلى إغلاقه الكامل يوم السبت. ولا يُتوقَّع التشدّد الفجائي من دون إعلان؛ فلا يوجد أيُّ إعلان في أيّ مكان يقول إنّ السياسة المرنة أصبحت ثابتة.
وإضافة إلى غياب أيّ منطق سياسي أو أمني، يحمّل القرار الأردني المقدسيين أعباء اقتصادية كبيرة، ويدفعهم إلى السفر عبر مطار اللدّ. فتكلفة التصريح لكلّ مقدسي تبلغ 230 شيكلاً لكل سفرة، بينما تكلفة الـ"لاسيه باسيه" 75 شيكلاً مرّة واحدة فقط. مدّة التصريح الورقي (ويسهل ضياعه) ثلاث سنوات، بينما مدّة الـ"لاسيه باسيه" أو ختم العودة خمس سنوات. هذا يعني أن العائلة التي ترغب في زيارة أهلها في الأردن أو السفر عبر مطار الملكة علياء ستتحمل عبئاً مالياً كبيراً لا مبرّر له. في إحدى السنوات أجريتُ تحليلاً مالياً بسيطاً، وتوصّلت إلى أن إلزام المقدسيين بالتصريح الورقي فقط يدرّ على الخزينة الإسرائيلية آلاف الدنانير يومياً. وينطبق ذلك مثلاً على موظفي الأوقاف، الذين يعلم الأردن أنهم سيعودون في اليوم التالي، ومع ذلك يُفرض عليهم السفر حصراً بالتصريح رغم حيازتهم الـ"لاسيه باسيه". فما المنطق في أن نرفد خزينة الاحتلال من جيب المقدسي؟

إضافة إلى غياب أيّ منطق سياسي أو أمني، يحمّل القرار الأردني المقدسيين أعباء اقتصادية كبيرة، ويدفعهم إلى السفر عبر مطار اللدّ

مرّ 58 عاماً على الاحتلال الإسرائيلي، وتغيّرت معادلات كثيرة: اتفاق أوسلو، واتفاقية السّلام الأردنية الإسرائيلية، لكن الهوس الأردني بإجبار المسافر المقدسي على استخدام التصريح الورقي فحسب، من دون أيّ خيار آخر يضمن حقّ العودة، لا يزال قائماً. ناقشت هذا الموضوع مع مسؤولين كبار في وزارة الأوقاف والسفارة الأردنية، ومسؤولين كبار في الأردن، والجميع مقتنع بوجود مشكلة، لكنّ التصريح تحوّل إلى "تابو" لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه خوفاً من اتهامات ومزاودات بتشجيع الهجرة.
المطلوب ليس إلغاء التصريح، بل منح المقدسيين حقّ اختيار وسيلة سفرهم، ما دام دخولهم إلى الأردن يجري عبر جواز سفر أردني، وما دام لديهم ما يثبت حقّهم في العودة. المطلوب أن تعيد الدولة الأردنية النظر في هذا الملفّ القديم الجديد، الذي يسبب ضرراً كبيراً للمقدسيين، ويحمّلهم كلفةً باهظةً، ويؤذي السياحة الأردنية، من دون أن يقدّم أيَّ فائدة قومية أو استراتيجية. وإذا جرت نقاشات جادّة وعقلانية، بعيداً من العواطف والمزاودات، وجرى اتخاذ قرار منطقي، فيجب تطبيقه على الجميع من دون استثناء، مع ضرورة توضيح التعليمات لسائقي الحافلات والمتعاملين مع الجسر، ومنع الاستثناءات اليومية التي تُفرغ أيّ "مبدأ" من محتواه.