عندما يحاول رئيس تونس الحكم الفردي

23 ابريل 2021
الصورة

قيس سعيد يخطب في ذكرى وفاة الحبيب بورقيبة في العاصمة تونس (6/4/2021/الأناضول)

+ الخط -

كان الضيق بالحكم السلطوي/ الأحادي الذي جثم على صدور التونسيين طويلا (1956 - 2010) قادحا أساسيا لاندلاع ثورة الكرامة (2011)، فقد سئم جُلّ التونسيين استئثار رئيس الجمهورية، الحبيب بورقيبة، وخلفه الجنرال زين العابدين بن علي، بمقاليد السلطة، واستيلاء كلّ منهما على مفاصل الإدارة الحيوية ودواليب الدولة الرئيسية. وكرهوا أن يكون الرئيس الآمر الناهي في كلّ كبيرة وصغيرة، وأن يهيْمن على المجال العام، وأن يؤوّل الدستور على هواه، وينقّح فصوله على مقاسه، وأن يستجمع كلّ السلطات في يده. وحزّ في نفوس معظمهم أن يوظّف الرئيس الجيش والشرطة والقضاء، لتصفية معارضيه الجادّين من حقوقيين ونقابيين ومتحزّبين وغيرهم. واستاؤوا لإدمان الرئيس الزعامة وادّعائه امتلاك الحقيقة وحكمه البلد بطريقة شمولية، فردانية، مطلقة. لذلك انتفض الناس مطلع العقد المنقضي على الرئيس باعتباره رمزا للحكم السلطوي، ورأسا للحزب الواحد، وعنوانا للرأي الواحد والدولة البوليسية المغلقة. ورفعوا، في هذا السياق، شعارات من قبيل "ارحل"، "اللعبة انتهت"، "الشعب يُريد إسقاط النظام". ونجح التونسيون، لأوّل مرّة في تاريخ العرب المعاصر، في دفع الرئيس وأسرته وثلّة من فلوله إلى الهروب من البلد في غير رجعة. والتفت المجلس التأسيسي بعدها إلى بلورة دستور تقدّمي، توافقي، نصّ على الفصل بين السلطات، وعلى إعلاء الحريات العامّة والخاصّة، وتفعيل الدور التمثيلي للبرلمان، واعتباره رقيبا على الحكومة. وضبط الدستور صلاحيات محدودة للرئيس خشية تغوّله وانفراده بالحكم. والواقع أنّ معظم رؤساء تونس بعد الثورة امتثلوا لمستجدّات الواقع الدستوري/ السياسي الجديد. لكنّ المتابع للشأن التونسي، في الفترة الأخيرة، يلاحظ ميْل الرئيس قيس سعيد، الذي بلغ الحكم سنة 2019 بطريقة ديمقراطية، إلى إحْياء نموذج الحكم الرئاسوي/ الفرداني. وجلّت ذلك قرائن عدّة، لعلّ أهمّها رفضه قبول وزراء جدد لأداء اليمين أمامه، وعدم حماسته لإحداث المحكمة الدستورية، وقوله إنّه القائد الأعلى للقوّات المسلّحة على جهة الإطلاق، ومن صلاحياته التعيين والإعفاء فيها جميعا.

معظم رؤساء تونس بعد الثورة امتثلوا لمستجدّات الواقع الدستوري/ السياسي الجديد

اعترض رئيس الجمهورية الحالي على التعديل الحكومي الذي أجراه رئيس الحكومة، هشام المشيشي، وفاز بتزكية أغلبية واسعة من النّواب تحت قبّة البرلمان التونسي. ورفض قيس سعيّد قبول الوزراء الجدد لأداء اليمين أمامه، وتعلّل بأنّ بعض الذين تمّ توزيرهم تحوم حوْلهم شبهات فساد، وأبى الإفصاح عن أسمائهم. والواقع أنّ الدستور يُتيح لرئيس الجمهورية اختيار الشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة، في حال عجز الحزب الأغلبي عن تشكيل حكومة في الآجال القانونية، ويتشاور مع رئيس الحكومة في شأن اختيار وزيري الخارجية والدفاع فقط. وتقف دستوريا مهمّة رئيس الدولة عند هذا الحدّ، فليس من صلاحياته التدخل في تسمية بقيّة الوزراء أو الاعتراض عليهم أو عزلهم، فهذا شأن رئيسي الحكومة والبرلمان. والقول بفساد وزير من عدمه هو اختصاص السلطات القضائية حصْرا. والامتناع عن قبول الوزراء المقترحين لأداء اليمين ومباشرة مهامّهم يُعدّ، في نظر قانونيين، تعطيلا لدواليب الدولة، وإخلالا بواجب فوري، مقيّد من جانب رئيس الجمهورية، ويعتبر في تقديرهم خرْقا جسيما للدستور. ويفسّر مراقبون سلوك الرئيس في هذا الخصوص بأنّه اغتاظ لتغيير المشيشي وزراء محسوبين عليه، وأنّه كان يقدّر أن يكون الرّجل وزيرا أوّل يأتمر بأوامره، لا أن يكون رئيس حكومة يمارس صلاحياته الفعلية. وعدّ رئيس الجمهورية، بحسب سياسيين مقرّبين منه، المشيشي "خائنا" لأنّه خرج من تحت جبّته. ومن ثمّة فميل الرئيس إلى التحكّم في الحكومة يحمل طيّه رغبة في الهيمنة على السلطة التنفيذية برأسيها، ويُضمر جموحا إلى التفرّد بمقاليد السلطة على كيْف ما بحسب متابعين ومراقبين.

يحاول قيس سعيد تمرير بوادر نهج أحادي في سياسة البلاد، من دون أن يمرّ عبر المؤسسات الدستورية

وعلى صعيد آخر، ردّ رئيس الجمهورية مشروع تنقيح القانون الأساسي للمحكمة الدستورية إلى البرلمان ورفض ختمه، وتعلّل بحججٍ، لم تقنع جلّ مكوّنات الطيف السياسي في البلاد من قبيل تجاوز البرلمان الآجال الدستورية المحدّدة بسنة من الانتخابات التشريعية حدّا أقصى لإرساء المحكمة الدستورية، مستندا إلى الفقرة الخامسة من الفصل 148من دستور 2014، وكذا دعوته إلى احترام أحكام الدستور "بعيدا عن أي تأويل غير علمي، بل وغير بريء". وردّ مشروع التعديل حقّ مكفول للرّئيس دستوريا. لكنّ الإشكال ماثلٌ في ضعف المتن الحجاجي الذي برّر بمقتضاه عدم التوقيع على تنقيحات القانون المؤسّس للمحكمة الدستورية. ففوات الآجال كان نتيجة التجاذبات السياسية والهزّات الأمنية والحركات الاحتجاجية الفوضوية وإكراهات المرحلة الانتقالية. والتقيّد بهذه الحجّة يعني ضمنيّا عدم القبول بإحداث المحكمة الدستورية مستقبلا، بتعلّة أنّ أجل إرسائها قدْ فات. والحال أنّ المحكمة المذكورة دعامة أساسية للبناء الديمقراطي، وضمانة لاحترام الدستور وتنزيله في الواقع، وهي الحَكَم في تأويله، وفضّ معضلة النزاع على الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث. ومن المفارقات أن قيس سعيّد سبق أن وعد التونسيين في أثناء حملته الرئاسية بأنّه سيُحدث المحكمة الدستورية في غضون ستّة أشهر من وصوله إلى قصر قرطاج. كما يعترف بشرعية هيئات دستورية تمّ إحداثها بعد الأجل الدستوري من قبيل المجلس الأعلى للقضاء وهيئة الحقيقة والكرامة ويلتقي ممثلين عنهما. ويرجّح مراقبون أنّ رئيس الجمهورية لن يبْدي التعاون المطلوب لترى هذه المؤسسة المدنية النور. ومردّ ذلك أنّه مستفيدٌ من تغييب المحكمة الدستورية، ففي ظلّ التعطيل المتعمّد لظهورها، يُصرّ أنصاره أنّه يحتكر تأويل الدستور، وهو خطأ شائع. ذلك أنّ الرئيس مطالبٌ بالسهر على احترام الدستور وتطبيقه، لا باحتكار تأويله. كما يتفادى، بغياب المحكمة، إمكان عزْله على خلفية ما يسمّيه بعضهم خروقاته الجسيمة للدستور. وفي الحالتين، هناك تقديم للمصلحة الشخصية على المصلحة العامّة، وتكريس للنزعة الرئاسوية / الفردانية في إدارة البلاد.

استمرار الرئيس في نهجه يُعطي انطباعا بأنّه يعمل خارج المؤسّسات، أو يريد أن يكون فوقها

وبعد عودته، أخيرا، من زيارة مصر التي تعاني ويلات حكم دكتاتوري، أحادي، مغلق، يبدو أنّ الرئيس قيس سعيّد تأثّر نسبيّا بالنظام السياسي الحاكم في أرض الكنانة ولم يؤثّر فيه، فأخبر التونسيين بأنّه القائد الأعلى للقوّات المسلّحة العسكرية والمدنية، وأنّه المكلّف بالتعيين والإعفاء فيها جميعا. وتسند صفة القائد الأعلى للقوّات المسلّحة لرئيس الجمهورية بحسب الفصل 78 من دستور2014. وفيه: "يتولى رئيس الجمهورية بأوامر رئاسية التعيينات والإعفاءات في الوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية والمتعلقة بالأمن القومي بعد استشارة رئيس الحكومة. وتضبط هذه الوظائف العليا بقانون" وصدر القانون عدد 32 (17 أغسطس/ آب (2015 ليضبط، في فصله الثالث، قائمة تفصيلية للوظائف العليا العسكرية والمتعلقة بالأمن القومي التي يُمكن أن يُمارس الرئيس فيها حقّ التعيين، ومن بينها رئيس أركان الجيوش، المتفقد العام للقوات المسلحة، رؤساء أركان الجيوش الثلاثة، الضباط القادة… والتعيينات والإعفاءات في الوظائف العسكرية العليا التي يختصّ بها رئيس الجمهورية، لا تشمل الوظائف الأمنية العليا، من قبيل أسلاك قوات الأمن الداخلي) الحرس الوطني، الشرطة... أو الديوانة) الجمارك (التي تعتبر من اختصاصات رئيس الحكومة. واعتبار رئيس الجمهورية قيس سعيد، في خطابه يوم 18 أبريل/ نيسان الجاري 2021 بمناسبة الذكرى 65 لعيد الأمن الوطني، قانون سنة 2015 الذي تم بمقتضاه توزيع الصلاحيات بين رئيسي الجمهورية والحكومة في خصوص التسمية بالوظائف العليا المدنية والعسكريّة غير دستوري، فالنص الدستوري أعلى منه مرتبة، ما يعني أنّه لا يُقرّ هذا القانون، ولا يعترف بإجرائيته، وهو ما يعد في نظر قانونيين خرقا للدستور. ذلك أنّ القانون المذكور نصّ تشريعي، تفصيلي، إجرائي، إيضاحي لعموم الفصل 78 من الدستور. وتمّ عرضه أمام مجلس نواب الشعب وتحصّن قضائيا، لأنّ الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين لم تُلْغِه، ولأنّ رئيس الدولة لم يردّه. ومن ثمة غدا قانونا من قوانين الدولة، ولا يمكن لرئيس الجمهورية خرقه. وفي حال رغب في تغييره، يمكنه اقتراح مشروع قانون لتبديله أو حذفه أو تعديله بموجب أحكام الفصل 62 من الدستور، فهذا هو المنطق المؤسّسي/ الدستوري. أمّا القفز على القوانين والتعامل الانتقائي والتجزيئي مع المدوّنة التشريعية فلا يسلم لصاحبه، ويُضمر رغبة في مدّ نفوذ الرئاسة على هياكل أمنية مدنية لغايات تصبّ في مسار تكريس الحكم الفردي لا محالة.

معظم التونسيين قطعوا مع الحكم الفردي، ومع فكرة الزعيم الملهم، وجلّهم ميّالون إلى الحكم الديمقراطي

ختاما، اللافت أنّ الرئيس يحاول تمرير بوادر نهج أحادي في سياسة البلاد، من دون أن يمرّ عبر المؤسسات الدستورية، ومن دون أن يستشير الهيئات التمثيلية الوازنة الممثلة للتونسيين، من قبيل اتحاد الشغل، ومنظمة الأعراف، والجمعيات المدنية الوطنية والأحزاب الفاعلة في الاجتماع التونسي. ولم يعلن تأييده في كلّ خطواته نحو تكريس الفردانية سوى حزب أقلّي هو حركة الشعب القومية، وهي حركةٌ مسكونةٌ بهاجس الزعيم المخلّص، وبمقولات أيديولوجية قديمة، ولا تحظى بعمق شعبي واسع. واستمرار الرئيس في هذا النهج يُعطي انطباعا بأنّه يعمل خارج المؤسّسات، أو يريد أن يكون فوقها. ويُنقص هذا التّوجّه من شعبيته، وقد يؤدّي إلى عُزلته، لأنّ معظم التونسيين قطعوا مع الحكم الفردي، ومع فكرة الزعيم الملهم، وجلّهم ميّالون إلى الحكم الديمقراطي، المؤسسي، التشاركي، بحسب تقارير موثوقة، صادرة عن مراكز بحثية وحقوقية مرموقة.