عندما يتمرّد عسكر فرنسا وينتفض ضد الإسلاموية

عندما يتمرّد عسكر فرنسا وينتفض ضد الإسلاموية

13 مايو 2021
الصورة

جنود فرنسيون في دراغوينان جنوب شرق فرنسا (1/4/2021/ فرانس برس)

+ الخط -

"على أهلها جنت براقش".. هكذا يقول المثل العربي الذي يحكي قصة الكلبة التي ظنّت أنها بنباحها ستنقذ أهلها، فجنت عليهم وكانت سبب التنكيل بهم. هذا أيضا هو حال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وحكومته، فقد فتحا عليهما صندوق باندورا المذكور في الميثولوجيا الإغريقية، وهو صندوقٌ إذا فتحته جلب عليك كل الشرور، وأبعد عنك كل الخير، وذلك عندما فتحا باب الشعبوية اليمينية المتطرّفة، وأشهرا تصريحاتٍ نارّية أتبعاها بإجراءاتٍ وصفت بالعنصرية، طمعا في استمالة ناخبي اليمين المتشدّد والمتطرّف، فرجعا بخفّي حنين، فلا هما تمكّنا من استمالة المتطرّفين وتلبية مطالبهم، ولا هما استطاعا سد هذا الباب الذي دخله عنوة، وعلى غرّة منهما، أبعدُ الناس عنه، وهم حاملو السلاح من العسكر الفرنسيين، والذين يحرّم عليهم القانون الفرنسي الخوض في السياسة، ويجرّم تدخلهم في الحياة السياسية.

بعد البيان الأول الذي وقعه عشرون جنرالا، وأكثر من مائة ضابط كبير وعديد من الجنود غير المتقاعدين، والموجّه على شكل رسالة مفتوحة إلى الرئيس ماكرون والحكومة والبرلمانيين، يحذّرون فيها من تهديدات كبيرة تتعرّض لها الدولة الفرنسية، وتجعلها في خطر كبير، قد يصل إلى حد إشعال حربٍ أهلية، جاء البيان الثاني لجنودٍ في الخدمة العسكرية، متجاوزا البيان الأول شكلا ومضمونا، فهو لم يكتف بتأييد ما ورد فيه من كلام ومن اتهامات خطيرة، وتهديدات مقنعة للرئيس والحكومة والبرلمانيين، بل زاد هؤلاء سبّا وشتما وتحقيرا وإذلالا.

من كان يعتقد أن غالبية الشعب الفرنسي ستقف، حسب بعض استطلاعات الرأي، مع العسكر؟

من كان يزعم أن يُقدم جنودٌ في دولةٍ من أكبر الديمقراطيات على وصف قيادتهم السياسية بالجبانة والمراوغة، والمنحرفة والخداعة؟ من كان يتخيّل أن يخرج جنودٌ في بداية الخدمة العسكرية، ليقفوا لا إلى جانب قيادتهم السياسية والعسكرية العليا التي تمثّل اختيار الشعب الديمقراطي، وإنما إلى جانب من وصفهم بعضهم بالعاصين والمتمرّدين؟ من كان يظن أن يتّهم جنود مبتدئون قيادة البلاد بتلطيخ سمعة الجيش، وعدم احترامه، والدوس على شرفه؟ من كان يتصوّر أن يتهم هؤلاء قائد الجيش ورئيس الأركان بالخضوع والخنوع لقيادة سياسيةٍ فاشلةٍ وجبانة؟ من كان أخيرا يعتقد أن غالبية الشعب الفرنسي ستقف، حسب بعض استطلاعات الرأي، مع العسكر؟

لكن هذا ما حصل فعلا، فقد نشرت مجلة فالور أكتيال، اليمينية المتطرّفة يوم الأحد 9 مايو/ أيار الحالي، عريضة جنودٍ من النشطين من مختلف الجيوش والرتب، ومن جميع الحساسيات، حسب زعمهم، نساء ورجالا، تأييدا لبيان قادتهم الذي نشر يوم 21 الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، وهو تاريخ له دلالة ومعنى في مذكرة الشعب الفرنسي، وفي تاريخ فرنسا الحديث، فهو يرمز إلى تاريخ المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد الرئيس الفرنسي السابق الجنرال، شارل ديغول، سنة 1961، ولم تكتف المجلة هذه المرّة بنشر البيان، فهي تريد الحصول على أكثر، وهي المنتشية بنتائج استطلاعات الرأي المؤيّدة، ففتحت باب التوقيع على العريضة لكل المواطنين، وغرضها استعراض قوة هذا التيار المتشدّد، وقد بلغ العدد أكثر من 125 ألفا، بعد 12 ساعة من نشر العريضة، بمعدل يفوق عشرة آلاف إمضاء تأييد في كل ساعة.

نحن نموت لمحاربة الإسلاموية، وأنتم تقدّمون لها التنازلات على أرضنا، هكذا يحدّد العسكر الفرنسي طبيعة العدو

للتذكير، جاء البيان الأول على شكل رسالةٍ مفتوحةٍ نشرتها المجلة نفسها، بلغ عدد من وقعوا عليها أكثر من 22 ألفا من العسكريين، وهي القضية التي أسالت مدادا كثيرا، ودفعت الحكومة الفرنسية ووزيرة الجيوش الفرنسية إلى الردّ عليها، والمطالبة بمعاقبة الموقعين عليها. وفعلا تمت معاقبة بعضهم، واتخاذ إجراءات تأديبية في حقهم، وهو القرار الذي اتخذه رئيس الأركان الفرنسي الذي يجد نفسه اليوم أمام فوّهة مدفع جنوده.

لهذا البيان العسكري الثاني فضل توضيح وتبيان ما جاء به البيان الأول، فهو يحدّد بوضوح ما حاول إخفاءه بيان القادة العسكريين والضباط الكبار، فهو يضع الأصبع على الجرح، ويتهم مباشرةً، نعم إنه يتهم المسؤولين الفرنسيين بعدم التصدّي للخطر الآتي من الإسلاموية، ومن الطوائف الدينية، التي لا تعني لها فرنسا شيئا، بل مجرّد موضوع للسخرية والازدراء وحتى الكراهية، حسب قولهم.

نحن نموت لمحاربة الإسلاموية، وأنتم تقدّمون لها التنازلات على أرضنا، هكذا يحدّد العسكر الفرنسي طبيعة العدو، فهو يرسم ملامحه من خلال البيانين، فهو، أي العدو، أولا وقبل كل شيء مسلم، مواطنا كان أم مهاجرا، من الضواحي، وهي ضواحي فقر وتهميش، من الذين يريدون الانفصال على الجمهورية، أولئك الذين يكرهون فرنسا ولا يحترمون لا تقاليدها ولا أعرافها ولا ثقافتها الأصيلة، هم أولاء الذين ينتمون إلى الإسلام السياسي، وهو تيارٌ يبدو غير واضح المعالم ولا الحدود، فهو يجمع ابتداء كل من التزم دينيا، وأظهر مظاهر تديّنه، ومنهم المتطرّفون الإسلامويون، مرورا بتجار المخدّرات ومهرّبيها من المسلمين، انتهاءً بكل من قال "الله أكبر" عند كل عملية إجرامية أو إرهابية، ولو شهد العالم ببعده عن الدين، وشهد هاتفه على فسقه وفجوره وعدم تديّنه.

من كان يزعم أن يُقدم جنودٌ في دولةٍ من أكبر الديمقراطيات على وصف قيادتهم السياسية بالجبانة والمراوغة؟

أما العدو الثاني فهو جمع المندّدين بالإسلاموفوبيا والعرقية المقيتة التي يتعرّض لها المسلمون، من المدافعين عن حقوقهم ممن لقبوا بالإسلامويين اليساريين، وهو مصطلحٌ، جُمع فيه كل معارض ومندّد بالعنصرية، وكل مناهض للإمبريالية الغربية والكولونيالية القديمة والحديثة، وكل أكاديمي سوّلت له نفسه قراءة التاريخ الفرنسي المقدّس.

يختم "جيلُ النار" (وهو الاسم الذي اتخذه هؤلاء الجنود) رسالته المفتوحة بتشخيص جد بائس، لكنه قبل ذلك ينزّه نفسه عن أي تدخل في السياسة، فدوافعه، حسب قوله، وطنية محضة، هدفها تقديم مصلحة فرنسا على أي اعتبار، وليس السعي إلى تمديد الولايات الانتخابية، في إشارةٍ واضحةٍ، واتهام غير مقنع للسياسيين بتقديم مصالحهم الشخصية على مصالح البلد. يشخّص الأوضاع في فرنسا تشخيصا مرعبا ومخيفا، قد يكون الغرض منه ليس فقط التهويل والتضخيم، وإنما التهديد والتخويف، فهو يحذّر من كراهية فرنسا وتاريخها، وينبّه المسؤولين إلى تعاظم الطائفية والانفصالية والتخلي عن أحياء سكنية عديدة لتخضع لقانون الأقوى، كما يُنذر باقتراب حربٍ أهليةٍ اختمرت، وأصبحت على الأبواب، ستضطره للتدخل. هي صرخة إنذار كما ذكرت الرسالة، لكنها موجهة خصوصا إلى كل من يهمهم الأمر ممن أصبحوا محل تهمة واتهام، نتيجة هذا التقييم المغرض المتحامل، إلى المستضعفين الذين قد يؤدّون يوما ما هو غالي الثمن.