عندما يتجدّد حديث إنعاش الاتحاد المغاربي

عندما يتجدّد حديث إنعاش الاتحاد المغاربي

14 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

القناعة السائدة منذ سنوات في الأقطار المغاربية، على المستويين الرسمي والشعبي، أن اتحاد المغرب العربي دخل مرحلة الموت السريري، ولعله ينتظر رصاصة الرحمة، إلا أن التطورات الإيجابية في الملف الليبي قد أحيت رغبة جديدة في إعادة بث الروح في الجسد المغاربي المحتضر، فقد شهدت تونس، قبل أيام، زيارتين متتاليتين لوزيري الخارجية، الجزائري والموريتاني، محملين برسالتين من رئيسي بلديهما إلى الرئيس قيس سعيد، تلتهما أيضا زيارة وزيرة الخارجية والتعاون الدولي في حكومة الوحدة الوطنية الليبية نجلاء المنقوش. وأفادت معطيات رسمية بأن أحد محاور هذه الزيارات تعلق برغبة القادة المغاربيين في إعادة إنعاش اتحاد المغرب العربي "خيارا استراتيجيا لا محيد عنه"، حسب الأدبيات السياسية المشتركة. وكان الرئيس سعيد قد دعا خلال زيارته إلى طرابلس، أواسط الشهر الماضي (مارس/ آذار)، إلى إعادة تفعيل المغرب العربي، وقال في مؤتمر صحافي مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي: "إننا سنعمل معا على أن يعود اتحاد المغرب العربي إلى سالف نشاطه باجتماع جديد للدول المكونة له، على مستوى وزراء الخارجية وعلى مستوى القمة". ويتطابق هذا التصريح مع دعوة المنفي إلى تفعيل الاتحاد، وعودة اجتماعاته، خلال لقائه في طرابلس مع وزير الخارجية الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد، فقد أكد عقب هذا اللقاء "أهمية تفعيل اتحاد المغرب العربي ودعم مؤسساته".

لم تنعقد هياكل الاتحاد على مستوى القمة والمؤتمرات الوزارية منذ 1994

وقد علم أن الرئاسة الليبية ستوجه قريبا دعوة إلى بدء التئام اجتماعات اتحاد المغرب العربي المتوقفة، فلم تنعقد هياكل الاتحاد على مستوى القمة والمؤتمرات الوزارية منذ 1994. ومع محاولات ليبيا وتونس وموريتانيا إنعاش الجسد المغاربي، يجمع المتابعون للشأن المغاربي على أن الخلاف المغربي الجزائري في قضية الصحراء الغربية يظل حجر العثرة أمام عودة الروح لاتحاد المغرب العربي، فعلى الرغم من الحياد الإيجابي لهذه الدول الثلاث تجاه هذ القضية، إلا أن المغرب يعدّها قضية مصيرية تصل إلى منزلة المقدس، ولا يقبل بغير مغربية الصحراء، وهو ما تعارضه باطراد الجزائر التي تعتبر المسألة الصحراوية قضية تقرير مصير وتحرير وطني لـ"الشعب الصحراوي"، ولم تتوقف عن دعم قادته واحتضانهم. وقد ظلّ هذا البون الشاسع بين البلدين، وإصرار كلّ منهما على موقفه، وبذل ما في الوسع لعدم الحياد عنه، يهدّد كل المحاولات المستجدة لإنعاش الاتحاد. ولعل التحولات الدولية تزيد الوضع تعقيدا إزاء قضية الصحراء، ولا سيما أن دولا عديدة تعترف بمغربية الصحراء، وآخرها الولايات المتحدة في عهدة الرئيس ترامب. ورأى مراقبون وناشطون مغاربة أن نشر الموقع الرسمي للأمم المتحدة قرار اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء إقرار جازم منها بالموقف نفسه.

الخلاف المغربي الجزائري في قضية الصحراء الغربية يظل حجر العثرة أمام عودة الروح لاتحاد المغرب العربي

وبالعودة إلى تونس، أفادت تسريبات بأن جدول مباحثات الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى مصر، أخيرا، مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، تضمن مشاورات بشأن مستقبل الاتحاد المغاربي، وخصوصا أن هنالك لدى مصر رغبة قديمة مقيمة بانضمامها للاتحاد. والملاحظ على مستوى الاتحاد الأوروبي وشمال المتوسط أن المشاورات التي أجرتها تونس أخيرا، من خلال زيارة وزير خارجيتها عثمان الجرندي إلى إيطاليا، وعبر تمثيلياتها الدبلوماسية في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، تؤكد أن الاتحاد ما زال يصر على التعاون الثنائي مع دول المغرب العربي، إذ تعتبر قيادات أوروبية أن مصالحها الحيوية لا تنسجم مع دول المغرب العربي مجتمعة، بل إنها تخشى قيام سوق مغاربية موحدة، وعملة موحدة وتكامل اقتصادي وتنموي عملاق. وأفادت تقارير حديثة لمراكز بحثية واستراتيجية أوروبية بأن أعضاء الاتحاد الأوروبي يجمعون على أن مصالح بلدانهم تكمن حاليا في القطر الليبي تحديدا، بما فيه من فرص إعادة الإعمار وفتح أسواق جديدة تتنافس فيها مع تركيا والصين وروسيا.

والملاحظ كذلك على الصعيد المغاربي أن رغبة أمين عام الاتحاد الطيب البكوش في أن يستقبله ملك المغرب محمد الخامس، والمغرب دولة مقر الأمانة العامة، قد قوبلت منذ التحاقه بمنصبه بالرفض. إذ ما فتئت الرباط تعبر عن يأسها من قيام الاتحاد، طالما ظل الموقف الجزائري من قضية الصحراء الغربية يراوح مكانه. وفي المحصلة، وتأسيسا على ما سبق، يبقى السؤال الحائر: هل تمضي محاولات إنعاش اتحاد المغرب العربي إلى إعادة الروح لهذا الجسد المحتضر، أم يبقى الحديث عن عودة هذه الروح سابقا لأوانه؟