عندما يتألم غانتس لجوع اللبنانيين

عندما يتألم غانتس لجوع اللبنانيين

09 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

العرض الذي قدّمه وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس لتقديم مساعدة إنسانية عاجلة إلى لبنان، عبر قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)، يزيد من مأساوية ما يعيشه لبنان وعبثيته في هذه الأيام السوداوية، ويفاقم في الشعور بانسداد الأفق واليأس وانعدام الأمل التي يشعر به اللبنانيون على اختلاف طوائفهم، وهم يرون عجزهم عن تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم في ظل الانهيار السريع للبنان، نظام حكم ومؤسساتٍ ومجتمعاً.

الشعب اللبناني الذي خانه سياسيوه، وابتعدت عنه الدول العربية الشقيقة، وتخلت عنه الدول الأجنبية، وتركته يواجه أزماته المستعصية وحيداً، ماذا يمكن أن يشعر عندما يسمع كلام غانتس؟ على الأرجح، بالاشمئزاز والأكيد باليأس المطلق. ليس جوع الشعب اللبناني هو ما "يؤلم" قلب غانتس، بل ما يقلقه فعلاً انتهاء الصراع الذي كان لبنان واحداً من ساحاته بين المحور الراديكالي الذي تقوده إيران في المنطقة ومحور الدول المعتدلة السنّية الذي تدعمه علناً الولايات المتحدة وضمناً إسرائيل، لمصلحة إيران وحلفائها في لبنان، أي حزب الله وحليفه المسيحي التيار الوطني الحر، الذي يراهن على وصول رئيسه جبران باسيل بعد عامين إلى رئاسة الجمهورية، إذا ظل لبنان حتى ذلك الحين جمهورية توافقية، ولم يتغيّر وجهه تماماً بعد انهياره الكامل.

أصبح اللبنانيون، بعد تجربة الحرب الأهلية، وبعد دمار الحروب الإسرائيلية، عاجزين عن حكم أنفسهم بأنفسهم

يتفرّج العالم، منذ العام 2019، على تهاوي المنظومة السياسية والاقتصادية في لبنان، من دون أن يقوم بتحرّك جدّي حقيقي. في هذه الأثناء، اعتقدت دول شقيقة وغربية أن الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعانيها لبنان تشكّل فرصة للتخلص من حزب الله، والقضاء على نفوذه القوي في هذا البلد، من خلال تجفيف مصادر تمويله، وفرض العقوبات وتشديد الخناق عليه. لكن هذا بدلاً من أن يُضعف حزب الله زاده قوة، وأدّى إلى إضعاف لبنان كبلد، ودمر مقومات العيش لدى الشعب اللبناني، مع وقف دخول الدولارات إلى لبنان، وعجز الدولة عن تأمين حاجات مواطنيها، وتحول البلد إلى فريسةٍ لجشع التجار والمحتكرين من كل الأنواع.

العقاب الذي مارسته المملكة السعودية في حق الزعامة السنّية لسعد الحريري بسبب رفضه عدم التعاون السياسي مع حزب الله أدّى بصورة خاصة إلى إضعاف الحريري، وزاد قوة حزب الله، ومن خلاله النفوذ الإيراني في هذا البلد. لكن الأهم أن اللبنانيين كلهم دفعوا ثمن الجفاء السعودي، وثمن إدارة السعودية ظهرها للبنان، ما أدّى إلى نتيجة عكسية تماماً، فقد انهارت كل المنظومة اللبنانية، وبقي حزب الله وحده صامداً ينتظر اللحظة المناسبة للقيام بالتغيير الكبير. تذكّر المواجهة السعودية لإيران في لبنان كثيراً بالحرب التي تخوضها المملكة في اليمن، مع فارق أن السعودية في لبنان لم تدفع ثمناً باهظاً مثل حربها ضد الحوثيين، بل تخلّت عن دورها التوفيقي في هذا البلد الذي كان يعيش حالة استقرار سياسي، بفضل وساطة سعودية أثمرت دستوراً جديداً للبنان، هو اتفاق الطائف العائد إلى العام 1989.

القلق الإسرائيلي على الوضع في لبنان، والخوف من وقوعه تحت سيطرة إيران الكاملة، مسرحية سخيفة وتافهة

المسؤولية عن الانهيار اللبناني يتحملها قبل كل شيء اللبنانيون أنفسهم الذين أصبحوا، بعد تجربة الحرب الأهلية، وبعد دمار الحروب الإسرائيلية المتلاحقة ضد وطنهم، عاجزين عن حكم أنفسهم بأنفسهم.

مع ذلك، ما يشهده هذا البلد حالياً له علاقة أيضاً بالتغير الجيو - سياسي الكبير الذي تمرّ به دول المنطقة الغارقة في مشكلاتها الداخلية وأزماتها المستعصية وفشل أنظمتها السياسية وإخفاق الربيع العربي في إحداث التغير المطلوب. والتبدّل الحاصل في موازين القوى السياسية في لبنان هو أيضاَ نتيجة تراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة، وسحب قواتها من الشرق الأوسط، ورغبة الإدارة الأميركية الحالية في عودة سريعة إلى الاتفاق النووي مع إيران، للتفرّغ لمواجهتها مع الصين وروسيا.

القلق الإسرائيلي على الوضع في لبنان، والخوف من وقوعه تحت سيطرة إيران الكاملة، مسرحية سخيفة وتافهة. وصدور مثل هذا الكلام عن وزير الدفاع في إسرئيل بالذات الذي لا يتوقف عن تهديداته بتدمير لبنان في أي مواجهة عسكرية مقبلة مشين. لبنان ليس في حاجة إلى دموع التماسيح، مهما اشتدت عليه الشدائد سينهض مجدداً مثل طائر الفينيق.