عندما نتذكّر "طفل الجيوبوليتيك"

عندما نتذكّر "طفل الجيوبوليتيك"

29 نوفمبر 2020
الصورة

لوحة سلفادور دالي "طفل الجيوبوليتيك يراقب ولادة الإنسان الجديد"

+ الخط -

"طفل الجيوبوليتيك يراقب ولادة الإنسان الجديد"، إحدى أشهر لوحات سلفادور دالي. رسم دالي اللوحة التي تميل إلى السوريالية عام 1943 في نيويورك. ولمفردة الجيوبوليتيك في العنوان دلالة خاصة، فهي تشير إلى النزعة الاستعمارية وإرادة الهيمنة السياسية والعسكرية. وتصوّر اللوحة بيضة ضخمة على شكل الكرة الأرضية، ينبثق منها طفل، هو في الواقع أقرب إلى أن يكون رجلًا يحاول الخروج من باطن هذه الكرة بعنف، وكأنه في صراع، تاركًا وراءه خيطًا سميكًا من الدماء النازفة. والرجل يُطبق قبضته في الخريطة المرسومة على البيضة على قارّة أوروبا، وبالأخص "إنكلترا". ولهذا دلالة عند دالي، فقد حاول أن يعبر عن وجهة نظر سياسية تجاه صعود نجم أميركا بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية.
ماذا لو كان دالي على قيد الحياة، هل كان أعاد رسمه بما يتناسب والتغيير الجيوبوليتيكي اليوم؟ وهل كانت قبضته ستكون على أميركا، في ظل التطوّرات التي تحدث فيها، سيما بعد الانتخابات الرئاسية، وما يحصل من أحداث عالمية على الصعد كافة؟ فهل كان ذلك الطفل سيراقب مجدّدًا ولادة الإنسان الجديد، الآسيوي ربما، أو الروسي، أو ..؟ لم يعد العالم على حاله، كما تركه سلفادور دالي. كلّ شيء تغيّر، فقد صعدت دول، وانهارت تحالفاتٌ دولية، وسقطت أنظمة، واكتُشفت مصادر جديدة للطاقة حرّكت الدول عسكريًا للاستيلاء عليها. 
قال وزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر، في حديثٍ إلى رئيس تحرير قناة "بلومبيرغ"، إنّ واشنطن وبكين "تنزلقان بشكل متزايدٍ نحو المواجهة، وتديران دبلوماسيتهما بشكل صدامي". توقّع كيسنجر هذا السيناريو، والصين تُعتبر اليوم من الدول الصاعدة على الساحة العالمية. استطاعت الصين، بعد عام 1979، الانطلاق نحو الانخراط في النظام العالمي. وفي عام 2001، دخلت منظمة التجارة العالمية، وعملت عام 2016 على تطبيق مشروعها الاقتصادي لإحياء طريق الحرير، وهو ما عرف بـ "الطريق والحزام"، في محاولةٍ جديّةٍ لبناء النظام العالمي المتفلّت من الهيمنة الأميركية. كما تطلق الصين عملتها الرقمية، وتسعى إلى جعلها عملة عالمية، وذلك في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تخفيف الاعتماد على الدولار الأميركي. فهل تقف الولايات المتحدة متفرّجة؟ وهل ستكون العملة الصينية سببًا لاندلاع مواجهة بين بكين وواشنطن؟
لا يتوقف الأمر عند الصين وطموحاتها، فهناك أكثر من سبب لنشوب الحرب المنتظرة، إذ قالت وزارة الخارجية الصينية، 23 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، إنّ بكين ستردّ على ما تردّد عن زيارة أميرال بحري أميركي إلى تايوان. وشدّد المتحدث باسم الوزارة، تشاو لي جيان، على أنّ الصين تعارض بشدة أيًّا من أشكال التبادل بين مسؤولي الولايات المتحدة وتايوان. هذه الاستفزازات تعتبرها الصين بمثابة إنذار حقيقي، وقد تدفع إلى حربٍ لا هوادة فيها.

سيظل طفل الجيوبوليتيك يراقب ولادة عالم جديد، كما راقب ولادة الأمركة التي بسطت نفوذها على العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية

عالم ما بعد دالي تتصاعد فيه الصراعات، لا سيما على مصادر الطاقة، فقد قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، في العام 2010، احتمال وجود ما يقرب من 122 تريليون متر مكعب من مصادر الغاز غير المكتشفة في حوض شرق المتوسط. وهذا ما حرّك الدول عسكريًا إلى التقاتل على حوض شرق البحر المتوسط، فتداخلت المصالح، وأعيد خلط الأوراق في التحالفات، واستيقظت أحلام الإمبراطوريات العثمانية، والفارسية، والفرنسية، وغيرها من طامعين في منطقة الشرق الأوسط. 
سيظل طفل الجيوبوليتيك يراقب ولادة عالم جديد، كما راقب ولادة الأمركة التي بسطت نفوذها على العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، فطالما علم الجيوبوليتيك هو العلم القومي الجديد للدولة، وهو عقيدة تقوم على حتمية المجال الحيوي بالنسبة لكل العمليات السياسية، سيظل العالم يتغير، وسيظل فخ ثيوسيديدز، المؤرّخ اليوناني، يؤكّد حتمية الصدام بين القوى الصاعدة والقوى المهيمنة.
أخيرًا، سيعيد العالم بناء ذاته، قد يكون ذلك عبر تثبيت القوى الأميركية مع حلفائها الغربيين، الذين على ما يبدو لن يتنازلوا عن فكرة "الرجل الأبيض الحاكم". لذا، ستعمل بقواها الفاعلة في العولمة على إزالة كل العوائق التي باتت تهدّد مصالحها. وبالطبع، ستوجّه الدول الغربية سياساتها الجيوبوليتيكية، كي تستطيع ضرب نقاط القوة لمنافسيها، ومنعهم من تهديد أمنها. 
وقد يعيد العالم بناء منظومة جديدة من القوى الفاعلة، سيما مع الدول الصاعدة التي أثبتت وجودها في مناطق كثيرة من الصراع في العالم، كروسيا والصين مثلًا، لإعادة نفوذ القوميات، عبر إعلاء شأنها على حساب المفهوم الكوني المنفتح. العالم مفتوح على كل الاحتمالات، طالما الجيوبوليتيكا ستبقى المرشد الأساسي لسياسات الدول في العالم.