عندما توارى جريس

15 مارس 2021
الصورة

جريس سماوي .. رحل بخفّةٍ وبساطة

+ الخط -

أشتهي الهرب من كل هذا الهول. ألوذ بحزني خلف ملامح باردة خاليةٍ من التعبير. أتلقى أنباء رحيل الأحبة تباعا. أحس بتفاهة كلمات الرثاء التي نخطّها على مواقع التواصل الاجتماعي، ممهورة بصور الإيموجي لوجوهٍ تذرف الدموع المستعارة. أرسل كلمات العزاء الرتيبة، وأعود بانتظار التالي في قائمة الحصاد السوداء، ولا أستبعد أن يكون اسمي هو التالي.. ما الذي يمنع حدوث ذلك؟ لا شيء يحول دون موت أي منا في أي لحظة، فالوباء اللعين استشرس بصورة تصعب مقاومتها، مهما فعلنا، فإنه سيدركنا، ولو كنا في بروجٍ مشيّدة. يُحسِن التسلّل إلى أجسادنا المتعبة من فرط الترقب والخوف. يفتك بنا من دون أي رحمة. يسلبنا القدرة على التقاط النفس، ويخلفنا جثثا هامدة على قيد الرثاء.
أحاول أن لا أستعيد ذكريات عمر طويل، عرفت فيه جريس سماوي، الشاعر المرهف الجميل، صديق الصبا، حيث كان الفرح ممكن الحدوث. جريس الإنسان والمثقف والحالم والطفل الذي أحسن الظن في الحياة، غير أنها غدرته، مثل عهدها دائما، وهو الذي أوجع القلوب وأدماها، حين غيبه وشقيقه سليم موتٌ خاطفٌ وصادمٌ وجائرٌ وعبثي.
في لقائنا الأخير، قبل شهرين ليس أكثر، بدا سعيدا على نحو استثنائي، يدندن أغنية لعبد الحليم، ويتحدّث عن خطط مستقبلية، وأحلام قابلة للتحقق، على الرغم من كل الظروف، وينصح الحاضرين بعدم الاستهانة بكورونا، وبضرورة الالتزام بالتباعد وارتداء الكمامة، غير أن كل ذلك الحرص والانتباه لم يُجد نفعا أمام القدر المجحف الذي قال كلمته، متجاهلا تضرّعاتنا، بنجاة صديقنا الشفيف النبيل الذي أحب الجميع، فبادلوه حبا وتقديرا وإعجابا.
أهرب من ذكرى يوم ربيعي بعيد، قضيناه صحبة والديه الراحلين. كان والده يسمعنا القصيد الجميل باللهجة المحكية، ووالدته تقدّم لنا أطباقها الشهية في بستان بيتهم العتيق، العابق بالحب والطيبة والسخاء في مدينة الفحيص، حيث تعلق قلبه وانتمت روحه. أذكر لقاءاتنا المتتابعة في النادي الأرثودكسي، صحبة الدكتور عادل الطويسي، نستمع إليه يتحدّث بشغفٍ وحماسه عن حلمه بتاسيس مركز ثقافيٍّ نوعيٍّ يحتفي بالأصوات الجديدة، ويفسح لها الطريق، لتكمل مسيرة الإبداع في وطنٍ صغيرٍ أخلص في عشقه، وتفانى في خدمته حتى الرمق الأخير.
علينا الآن، نحن، أصدقاءه الكثر، أن نصدّق أن جريس رحل حقا، وأن كل شيء انتهى. لن نلبي دعوة جديدة إلى الفحيص، نستمع فيها إلى قصائدة العميقة التي ينبعث منها صدى الأساطير وأغاني الرعاة وحكايات الجدّات ومفردات الطبيعة. لن نرافقه بعد الآن إلى طقوس عيد الشعانين، ولن يسرد علينا قصة الخضر، شفيع المرضى والمحزونين. صارت حرفتنا الآن اعتياد الأحزان والتطبيع معها قدرا غاشما لا نستحقه.
رحل جريس بخفّة وبساطة، مخلّفا في قلوبنا الحسرة والأسى. وبات الحديث عن الأمل والرجاء ضربا من الهرطقة في هذا الزمن الموحش غير الرحيم. صار الموت طقسا يوميا، نرضخ لشروطه رغما عن أنوفنا. نتلفّت حولنا متسائلين برعبٍ عن الضحية المقبلة. وقد حرمنا بموجب قرارات الدفاع الصارمة المتعلقة بكورونا من طقوس العزاء الحقيقية التي تعارفنا عليها شكلا من التضامن الإنساني، حيث كان يتوافد خلقٌ كثيرٌ إلى بيت الفقيد، يواسون أحبّته المكلومين، يبكونه على هواهم، ويستذكرون مآثره، يواسون أنفسهم، يتقاسمون الحزن الباهظ الثقيل، يسندون أرواح بعضهم، قبل أن تأخذهم الحياة من جديد إلى دائرة الرعب الرهيبة.
طوبى لك، يا جريس، وأنت من أنقياء القلوب الذين ملكوتهم السماء، ولترقد روحك بسلام، أيها الأخ والرفيق والصديق، ولتستقر ذكراك في قلوبنا الجريحة راهبا مرّ في حياتنا سحابة عذوبةٍ ورفق، شهما دمثا محبا رقيقا عاشقا للجمال، ساعيا إليه بكل ما أوتي من طاقة على الحب.