عندما تنتخب "حماس" قيادة ثلاثية الرؤوس

20 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

انتهت الانتخابات الداخلية التي انتظمت أخيرا في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن فوز، أو للدقة التوافق على تولي ثلاث شخصيات رئيسية وازنة قيادة الحركة في المرحلة المقبلة. يتعلق الأمر باختيار خالد مشعل لرئاسة المكتب السياسي للحركة في الخارج، ويحيى السنوار لرئاسة المكتب في غزة، بينما سيتم الإعلان قريباً عن بقاء إسماعيل هنية في منصبه رئيسا للمكتب السياسي العام للحركة، بعد أن حالت الظروف دون قيامه بمهامه، كما ينبغي في معظم فترته الأولى البالغة أربع سنوات.
بدايةً، تجب الإشارة إلى معطى مهم جداً لفهم ما جرى ويجري داخل "حماس"، مفاده أن كلمة انتخابات هنا نسبية أو مجازية تحديداً في غزة، حيث جرى اقتراع فعلاً، ولكن لقطاع أو تيار معين للحركة، وغابت الشفافية والمساءلة والتنافس الجدي العادل، في ظل عدم اعتماد آلية المؤتمر العام، كما الأحزاب السياسية في العالم، بما فيها الإسلامية، وعدم طرح المرشحين برامجهم أو إجراء مراجعة نقدية لأحداث المرحلة السابقة، لاستخلاص العبر منها على طريق استشراف ملامح المرحلة المقبلة. وجرت انتخابات غزة بذهنيةٍ أقرب إلى التنظيم السري منها إلى حركة سياسية ترى نفسها جديرةً بقيادة للشعب الفلسطيني ككل، بل تحكم وتدير شؤون حياته في المعيشة في مناحيها المختلفة في غزة منذ عقد ونصف العقد تقريباً.

تأجيل الانتخابات جرى إلى يوم لاحق، بما يتناقض مع النظام الداخلي للحركة، فقد كان يفترض الحسم خلال ثلاث جولات اقتراع متتالية في يوم واحد

أما التنافس على رئاسة المكتب السياسي بين يحيى السنوار ونزار عوض الله فكان جدّيا، ولكن ضمن التيار الواحد، أي تيار الصقور الأمنيين والعسكريين، من دون طرح وجهات نظر ومقاربات مختلفة، غير أنه (التنافس) عبّر بالتأكيد عن استياء قطاعات حمساوية معتبرة من قيادة السنوار وأسلوب تعاطيه مع الملفات المطروحة في السنوات الأربع السابقة.
كان عوض الله قاب قوسين أو أدنى من الفوز، لكن تأجيل الانتخابات جرى إلى يوم لاحق، بما يتناقض مع النظام الداخلي للحركة، فقد كان يفترض الحسم خلال ثلاث جولات اقتراع متتالية في يوم واحد، يتم في الأولى تصعيد أول متنافسين، وفي الثانية يفوز من ينال غالبية النصف زائد واحد ثم الغالبية النسبية فقط في الجولة، وهو ما لم يتم. ويعتقد الكاتب أن فترة التأجيل كانت للتربيط أو للتفاهم ربما على اختيار السنوار (مع توازن في أعضاء المكتب السياسي المعينين، تسعة من أصل 18) ضمن فهم عام يلحظ إعطاءه حق القيادة فترة أخرى، فيما بات عُرفاً داخل الحركة، ولتحاشي إحداث هزّة قيادية فيها على أعتاب الانتخابات الفلسطينية العامة، التشريعية والرئاسية، التي قد تكون حاسمه وفاصلة، أجريت أو تم إلغاؤها.
وعموماً، جاء أفضل توصيف لانتخابات غزة من عضو المجلس التشريعي أحد صقور الحركة، يحيى موسى، الذي قال حرفياً في 8 الشهر الماضي (مارس/ آذار) إنها افتقدت إلى النزاهة والشفافية، وغياب المساواة وتكافؤ الفرص بين الأعضاء، وعدم حيادية المؤسسة أو بعض أجزائها. وطالب بعقد مؤتمر عام للتقييم والمراجعة ومناقشة المرشحين في برامجهم ورؤاهم، بينما تجري الانتخابات الآن من دون حق لأي عضو في الترشّح من تلقاء نفسه، وفق قاعدة طالب الإمارة لا يؤمّر، علماً أننا أمام عمل سياسي حزبي بامتياز، لا فقهي ولا دعوي.

نظراً لما يمثله مشعل تنظيمياً وإقليمياً، تم استخدام المصطلح أو التوصيف بشكل أدق، رئيس المكتب السياسي في الخارج، وللموازنة مع يحيى السنوار رئيسا للمكتب في غزة

كانت الأجواء في الخارج أكثر انفتاحا وحرية، وغابت عنها الذهنية الأمنية العسكرية. وحضرت الأجواء التنظيمية التقليدية أكثر، وجرت انتخابات للمكتب السياسي، ولكن من دون مؤتمر عام وبرامج وتنافس بين المرشحين، وأفرزت تقريباً الوجوه القيادية المعروفة نفسها، مع تجديد نسبي، بينما لم تحصل أي منافسة على رئاسة المكتب في الخارج، حيث فاز بالتزكية خالد مشعل الذي سيخلف القيادي ماهر عبيد الذي كان يوصف بأنه مسؤول (أو رئيس) الحركة في الخارج. ولكن نظراً لما يمثله مشعل تنظيمياً وإقليمياً، فقد تم استخدام المصطلح أو التوصيف بشكل أدق، رئيس المكتب السياسي في الخارج، وللموازنة، من جهة أخرى، مع يحيى السنوار رئيسا للمكتب في غزة. وإذا سارت الأمور في سياقها الصحيح، سيتم الإعلان قريباً عن تزكية إسماعيل هنية رئيسا للمكتب السياسي العام فترة أخرى، وغالباً يستمر صالح العاروري في منصبه نائبا للرئيس، في عرف يلحظ إحداث التوازن القيادي بين الساحات التنظيمية الثلاث، غزة والضفة الغربية والخارج.
وقبل الحديث عن خلفيات اختيار القيادة الثلاثية الجديدة القديمة، أو للدقة المحدّثة، لحركة حماس، لا بد من الإشارة إلى التقاسم الوظيفي، أو لائحة العمل التنظيمي للحركة التي تم الاتفاق عليها في العام 2009، مع سماح القاهرة لقادة غزة بالسفر إلى الخارج إثر العدوان الإسرائيلي الأول على غزة، ومطالبتهم بحصتهم في القرار الحركي المركزي (كان ذلك حصراً لديهم زمن المؤسسين الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي)، حيث جرى التوصل إلى لائحة تعطي فترتين فقط لرئيس المكتب السياسي العام، مع تقاسم عادل للمهام بين الساحات الثلاث بستة أعضاء لكل منها في المكتب السياسي العام (18 عضوا) على أن تتولى كل ساحة مواجهة مشكلاتها والتحدّيات المطروحة أمامها بشكل مباشر.

تزامن خروج مشعل من رئاسة المكتب السياسي قبل أربع سنوات بعدما شغل المنصب فترتين، إثر تعديل اللائحة الداخلية، مع انتخاب إسماعيل هنية بدلاً منه

أعطى هذا التقاسم قوة تنظيمية لغزة التي تمثل أصلاً مركز الثقل للحركة على مستويات عدة، كونها تتولى التعاطي مع الملفات الساخنة فيما يخص العلاقة مع حركة فتح والسلطة في رام الله، المصالحة، والصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، عملية التهدئة - العلاقة مع النظام المصري بحضوره الثقيل في الساحة القضية الفلسطينية، غير أنه أعطى، من جهة أخرى، ميزة نسبية للخارج بمناطقه المختلفة، تحديداً في ما يتعلق بالعلاقات الخارجية مع الدول والحكومات والمؤسسات العربية والإسلامية والدولية المختلفة.
تزامن خروج مشعل من رئاسة المكتب السياسي قبل أربع سنوات (في عام 2017) بعدما شغل المنصب فترتين، إثر تعديل اللائحة الداخلية، مع انتخاب إسماعيل هنية بدلاً منه، غير أن منع النظام المصري له من السفر إلى الخارج ثلاث سنوات أدّى إلى بقاء القرار الحركي العام في غزة، وبالتالي بين يدي رجلها القوي، يحيى السنوار، خصوصا مع تماهي صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي المقيم في الخارج التام مع سياساته. وهذا أدى أيضاً إلى فراغ قيادي هائل في الخارج، تنظيمياً وسياسياً، مع افتقاد قيادة الخارج للكاريزما والعلاقات الخارجية التي كان يتمتع بها خالد مشعل، وسمحت له بإحداث توازن مع غزة، بثقلها الحركي والسياسي.

سيتولى يحيى السنوار وقيادة غزة عموماً ملفات العلاقة مع حركة فتح، بما فيها المصالحة والانتخابات وإدارة الصراع والتهدئة مع إسرائيل

يبدو أننا الآن أمام تفاهم ما يتضمن توزيع أدوار المهام وتقاسمها بين أعضاء القيادة الثلاثية للحركة، لمواجهة المرحلة الجديدة التي قد تكون فاصلة فلسطينياً وعربياً وإقليمياً، والمحافظة على المكاسب السابقة للحركة، ولكن مع سد الثغرات التي ظهرت خلال السنوات الأربع الماضية، وتحديداً الفراغ القيادي في الخارج. بناء عليه، سيتولى يحيى السنوار وقيادة غزة عموماً ملفات العلاقة مع حركة فتح، بما فيها المصالحة والانتخابات وإدارة الصراع والتهدئة مع إسرائيل، إضافة إلى العلاقة المعقدة والمركبة مع النظام المصري، بما تحمله من تفاصيل تتعلق بالوساطة مع "فتح" وإسرائيل، إضافة إلى معبر رفح وما يمثله للحركة وغزة بشكل عام. وفي الخارج، سيتولى خالد مشعل عبء سدّ الفراغ التنظيمي السياسي والإعلامي الذي ظهر خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى إدارة العلاقة مع دولٍ لحركة حماس علاقات جيدة معها، مثل قطر وتركيا وماليزيا، وتبنّي خطابٍ يرضي جمهور الحركة في الخارج الإخواني المزاج، والداعم للثورات، والرافض أو المتحفظ في الحد الأدنى على العلاقة مع رموز الثورات المضادة ودولها، كما مع إيران وأذرعها، كونهم شركاء في محاربة الثورات الأصيلة في سورية واليمن وساحات عربية أخرى. بينما سيتولى هنية التعبير عن وحدة الحركة تنظيمياً وسياسياً، والتنسيق مع ما يسمى محور المقاومة الذي يضم إيران وأذرعها الإقليمية، على أن يتولى العاروري الجانب اللوجسيتي الميداني من تلك العلاقة.
في الأخير، تجربة القيادة ثلاثية الرؤوس لحماس مرحلية لأربع سنوات، وغالباً يعود مشعل بعدها إلى رئاسة المكتب السياسي العام، بينما لن يستطيع هنية، وكذلك السنوار، الترشّح لفترة جديدة، وسيعود عندها التوازن التنظيمي بين الساحات، مع عدم هيمنة إحداها على الأخرى بشكل صريح، وغالباً سنعود "مع تحديث ما طبعاً" إلى الوضع ما قبل عام 2017 لجهة التوازن في المهام والحضور بين القيادة السياسية في الخارج برئاسة خالد مشعل، وقيادة غزة بجناحيها السياسي والعسكري.