عندما تستضيف موسكو دحلان

عندما تستضيف موسكو دحلان

18 نوفمبر 2021

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ومحمد دحلان في موسكو (2/11/2021 مواقع التواصل)

+ الخط -

زار القيادي السابق في حركة فتح، المفصول منها، والمقيم في أبوظبي، محمد دحلان، قبل أيام، موسكو، تلبية لدعوة رسمية، حيث استقبله وزير الخارجية سيرغي لافروف ومسؤولون روس آخرون. وأصدر تيار دحلان (يصف نفسه بالإصلاحي في حركة فتح) بياناً مقتضباً عن الزيارة غير المعلن عنها سابقا، لكن قناة الكوفية التابعة له والناطقة باسمه نشرت تفاصيل إضافية عن أجندة الزيارة، والحوار مع المسؤولين الروس، وذكرت أنه تركّز على ثلاثة ملفات أساسية، المصالحة الحزبية داخل حركة فتح، والمصالحة الوطنية في الساحة الفلسطينية، وعملية التسوية والمفاوضات مع إسرائيل من أجل التوصل إلى سلام نهائي في فلسطين.

مبدئياً، بدت الزيارة كأنها ردّ على الأنباء عن تحجيم الإمارات محمد دحلان، ووضع قيود على حركته وأنشطته السياسية. وهنا لا بأس بالتذكير بأن دحلان يمثّل النسخة الفلسطينية من رموز الثورة المضادّة والفلول الجدد العرب، كما هو الحال مع عبد الفتاح السيسي في مصر، وخليفة حفتر في ليبيا، وبشار الأسد في سورية، وهذا مزيج فريد وسلبي من القدامى والجدد، وبالتالي صعوبة استغناء الإمارات عنه، أقله مرحلياً حتى مع استدارتها ومراجعة سياساتها الإقليمية، وتقليل تدخلاتها التي ارتدّت سلباً عليها، كما على المنطقة بشكل عام.

دحلان يمثّل النسخة الفلسطينية من رموز الثورة المضادّة والفلول الجدد العرب

من هذه الزاوية تحديداً، يظهر الاستقبال الروسي الحميم لدحلان عمق العلاقات وتنسيق السياسات وحتى تبادل الأدوار بين موسكو وأبوظبي. كما بدا لافتاً توقيت الزيارة بعد استقبال الرئيس الروسي بوتين رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت، وقبل زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى موسكو، المقرّرة في نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، وبعد استقبال وفود فصائلية خلال الفترة السابقة. والغرض واضح، إظهار مركزية محمد دحلان أو محوريته في الساحة الفلسطينية، علماً أن وزير الخارجية سيرغي لافروف استقبله شخصياً، وهو ما لا يحدث مع معظم الوفود الفصائلية الأخرى التي تلتقي عادة نائب وزير الخارجية المبعوث إلى المنطقة ميخائيل بوغدانوف، والذي حضر اللقاء مع دحلان بصحبة دبلوماسيين روس آخرين، في محاولة واضحة لإعطاء أهمية للضيف والزيارة والنقاش بشكل عام.

من حيث الشكل، كان لافتاً أيضاً دخول موسكو على خطّي المصالحة الفتحاوية والفلسطينية من دون أي قلق أو انزعاج من القاهرة المحتكرة لتلك الملفات، والتي لا تستطيع إبداء أي ردّ فعل، كونها ضعيفة أمام موسكو، وفي أمس الحاجة إليها سياسياً واقتصادياً، وربما تفهم أن التحرّكات الروسية دعائية وشكلية، ولا تلامس جوهر الملفات الفلسطينية أو مضمونها. وقد حاول تيار دحلان استخدام لغة وطنية صافية، وحتى تطهيرية وقدسية تجاه الملفات المطروحة، وصولاً حتى إلى ادّعاء زهد مسؤولهم الذي بلغ 60 عاما، وبات غير طامع بأي منصب أو دور، لا داخل حركة فتح ولا في السلطة، وإنما يبحث فقط عن الإصلاح الحركي، وتوحيد الصفوف من منظور فتحاوي صرف. واتبعت المقاربة نفسها تجاه المصالحة الوطنية لجهة طرح مواقف توافقية، جاءت أقرب إلى وجهة نظر المعارضة وبقية الفصائل، لجهة عدم واقعية تجاوز حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وضرورة تطبيق التفاهمات والوثائق الموقعة، في محاولةٍ لتأكيد عزلة الرئيس محمود عباس، وعجزه عن القيام بالدور الوطني التاريخي والطليعي والجامع لحركة فتح. واستخدمت لغة مماثلة تجاه عملية التسوية، وتضمّنت طرح مواقف الحد الأدنى الفلسطينية المتضمنة التمسّك بالحل العادل وفق قرارات الشرعية الدولية، وضرورة إجبار إسرائيل على الالتزام بها واستحالة طلب الدعم الدولي للعودة إلى المفاوضات، من دون توحيد الصف الفلسطيني حركياً ووطنياً. .. في العموم، سعى تيار دحلان إلى الإيحاء بأنه إطار فلسطيني شرعي يتبنّى لغةً وطنيةً، ويسعى إلى رصّ الصفوف حزبياً ووطنياً من دون أجندة فئوية من أجل استعادة الحقوق الفلسطينية.

تسعى موسكو إلى تلميع دحلان وإسباغ الشرعية عليه فتحاوياً ووطنياً، خدمة لأهداف حليفتها الوثيقة الإمارات

أما موسكو فتعرف أن لا فرصة لتعويم دحلان وإعادته إلى حركة فتح في ظل رفض قاطع من الرئيس عباس وقيادات وازنة أخرى في الحركة، وعدم امتلاك دحلان وتياره حضورا أو شعبية في الضفة الغربية، خصوصا مع اتهام موجّه إليه بالتحالف مع حركة حماس ضد "فتح" في غزة. وتعي موسكو أيضاً أن لا فرصة في الأفق لمصالحة وطنية، ولا دور فيها لدحلان المقيم في أبوظبي بأي حال، والملف حصراً بيد القاهرة، وهو مجمّد أصلاً وشبه مغلق بعد قرار الرئيس عباس إلغاء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في إبريل/ نيسان الماضي، الذي أعاد الحوار وعملية المصالحة برمتها إلى نقطة الصفر، وما سمعنا عنه أخيراً بخصوص إعادة تحريك الملف حراك خادع ووهمي، ولا يهدف سوى إلى تسهيل جهود القاهرة في تثبيت التهدئة ومنع الانفجار في قطاع غزة والضفة الغربية على حد سواء.

وإضافة إلى ما سبق كله، لا فرصة عملياً لاستئناف عملية التسوية وفق حل الدولتين إثر تجاهل الحكومة الإسرائيلية الجديدة الملف، وإزاحته عن جدول الأعمال، أقله في المدى المنظور، وقبول أميركا وأوروبا والمجتمع الدولي هذا الموقف، بحجة الحفاظ على استقرار الحكومة الوليدة والهشّة، ومنع عودة رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو (ترامب الإسرائيلي) إلى السلطة. وترفض تل أبيب كذلك الوساطة الروسية جملة وتفصيلاً، وكانت قد تجاهلت دعوات سابقة إلى عقد لقاء إسرائيلي فلسطيني على مستوى القمة في موسكو، علماً أن الأخيرة لم تفتح الملف أو تناقشه جدّياً في أثناء زيارة نفتالي بينت. وفي هذا الصدد، بدا لافتاً، وغير مفاجئ، إعلان الناطق باسم الخارجية الأميركية، 10 نوفمبر/ تشرين الثاني، أن حل الدولتين ليس على الأجندة حالياً، بينما يجري العمل على خطوات لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة، للحفاظ على التهدئة على أمل إيجاد ظروف تسمح بإعادة فتح الملف مستقبلاً.

تعرف موسكو أن لا فرصة لتعويم دحلان وإعادته إلى حركة فتح في ظل رفض قاطع من عباس وقيادات وازنة

لا يمكن طبعاً تجاهل البعد الإماراتي لزيارة محمد دحلان إلى موسكو مع إصرار مسؤولين كثر في حركة فتح والسلطة الفلسطينية على أن دحلان لا ينشط خارجياً بصفته مسؤولا فلسطينيا، وإنما كموظف في الحكومة الإماراتية ومبعوثا إقليميا لها. وبناء عليه، يمكن الاستنتاج أن شكل الزيارة وإطارها دعائيان فلسطينيان يستفيد منهما الطرفان الروسي والدحلاني. أما المضمون والجوهر فإماراتيان بامتياز، في ضوء ما تحقق بعدها، كما رأينا في زيارة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد إلى دمشق ضمن تساوق صريح مع السياسة الروسية الساعية إلى تعويم نظام بشار الأسد ونظامه وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين وترويج الانطباع وكأنّ القضية السورية قد انتهت، بغض النظر عن الحل السياسي العادل وفق قرار مجلس الأمن 2254. وفي الإطار نفسه، يمكن وضع زيارة صدّام خليفة حفتر لإسرائيل انطلاقاً من دبي، علماً أن حفتر الأب أحد أدوات أبوظبي وموسكو في ليبيا، إضافة إلى الحديث عن تنسيق وتمويل إماراتي للتوسّع الروسي في أفريقيا بحجّة محاربة "الإرهاب الإسلامي"، كما رأينا في أنباء نشر مرتزقة شركة فاغنر في مالي.

في كل الأحوال، نحن أمام سعي روسي تقليدي إلى استخدام الورقة الفلسطينية لتبييض صفحتها ولتبرير تدخلاتها الإقليمية الضارّة والمؤذية، وحتى مراكمة مزيد من أوراق المساومة بين أيديها في مواجهة أميركا والغرب. ولا شك أن موسكو تسعى، في السياق، إلى تلميع دحلان وإسباغ الشرعية عليه فتحاوياً ووطنياً، خدمة لأهداف حليفتها الوثيقة الإمارات، كما لدعمها الفلول الجدد في العالم العربي بشكل عام.

ومع ذلك، يمكن التأكيد أن ادّعاء موسكو حضورها في الملف الفلسطيني غير صحيح، وإعلامي ودعائي فقط، والأمر نفسه نراه في الملف الفلسطيني - الإسرائيلي في ظل علاقتها الوثيقة مع تل أبيب، والعلاقة هذه أكثر من تنسيق وأقل من تحالف، واعتبارها مصالح الدولة العبرية مسألة مبدأ في سياستها الإقليمية، كما كتب حرفياً وزير الخارجية سيرغي لافروف، في مقال له في صحيفة يديعوت أحرونوت، في 15 أكتوبر/ تشرين الأول، بمناسبة الذكرى الـ30 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ومن نافل القول الإشارة إلى أن الشرعية ينالها دحلان فلسطينياً لا إماراتياً ولا روسياً، وعلى هذا الأمر علامات استفهام كثيرة في ظل انخراطه الأمني العملي، لا النظري، في السياسات الإماراتية الإقليمية الدموية والمدمرة من اليمن شرقاً إلى ليبيا غرباً، ومن تركيا وأذربيجان شمالاً إلى الصومال جنوباً.