عندما تزدوج الهوية في دستور للجزائر

20 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تتجه الجزائر نحو أيام حساسة وحاسمة، في عمر مسار التغيير الذي تشهده، وكذا في نتائج الصراعات السياسية والمجتمعية والثقافية التي تعتمل داخلها، في أعقاب الضجة الهائلة التي تشهدها البلاد بعد طرح السلطة الجزائرية مشروع تعديل الدستور المثير للجدل، ما يجعل من الفترة التي تسبق موعد الاستفتاء الشعبي على مشروع الدستور الذي يمكن وصفه بالدستور "الملغم"، قبل يوم الاستفتاء المقرّر في الفاتح (الأول) من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، بأنها فترة حاسمة، ناحية صناعة المشهد المقبل، لما بات يعرف اصطلاحا بـ"الجزائر الجديدة" التي أطلقها الرئيس عبد المجيد تبون.

الأيام الأربعون المقبلة إذن حاسمة وملتهبة في الجزائر، فالنقاش المجتمعي حول مشروع الدستور الجديد الذي تم طرحه على البرلمان بغرفتيه، وتم تمريره بـ"الإجماع"، في ظل مقاطعة أبرز أحزاب المعارضة له، وفي ظل الرفض الشعبي الواسع والعارم لهذا المشروع، من المرجّح أن يأخذ أبعادا غير متوقعة، بالنظر إلى البنود السيئة، وأحيانا الخطيرة، التي تضمّنها التعديل الجديد. ومرد حساسية المشروع الدستوري المقترح على الجزائريين للاستفتاء أنه حمل الطابع "الاستعجالي" المثير للريبة، فقد فُرض على المجلس الشعبي الوطني، للمصادقة عليه جملةً من دون نقاش، وهذا عكس ما سبق للرئيس تبون أن وعد به، كما أن اللجنة القانونية التي تم اختيارها بداية لصياغة التعديلات شُكلت في ظروف غامضة، ومن شخصياتٍ لا أحد يعرف عنها أي شيء، ما عدا رئيس اللجنة المعروف بأنه من أشرف من قبل على تعديلات دستور عبد العزيز بوتفليقة للعام 2016، والأخطر من ذلك، أن التعديلات التي اقترحتها القوى الوطنية والأحزاب السياسية على المسوّدة الأولى لهذا التعديل، لم يظهر عليها أي أثر تقريبا في المشروع النهائي الذي سيطرح للاستفتاء الشعبي، إلا في ما تعلق بحذف مادة اقتراح منصب نائب لرئيس الجمهورية، أما معظم المواد الخلافية الأخرى، وخصوصا منها التي تخص هوية الدولة والشعب، وصلاحيات رئيس الجمهورية وطبيعة النظام السياسي فقد بقيت كما هي من دون أدنى تعديل.

أقرّت ديباجة الدستور صراحةً ولأول مرة أن "الجزائر أرض عربية وأمازيغية

ولتقريب الصورة أكثر، عن مدى خطورة الوضع الذي يتهدّد الجزائر العربية، في كينونتها وهويتها، من المهم التأكيد هنا أن المشروع يطرح، لأول مرة، مفهوما مختلفا تماما للهوية الجزائرية عما عرفته البلاد طوال تاريخها، حيث يتحدّث لأول مرة عن هويتين (عربية وأمازيغية)، من خلال الثنائية اللغوية اللسانية (لغة عربية في مقابل لغة أمازيغية لم تستكمل بناءها اللغوي أصلا)، بل وثنائية هوياتية للأرض نفسها أيضا، فقد أقرّت ديباجة الدستور صراحةً ولأول مرة أن "الجزائر أرض عربية وأمازيغية"، بينما حدّدت المادة الرابعة منه، وهي التي أريد لها أن تكون "صمّاء" غير قابلة للتعديل في المستقبل، فتقول إن "تامازيغت هي كذلك لغة وطنية ورسمية" إلى جانب اللغة العربية. والغريب أن البند الرابع من هذه المادة يقول بالحرف الواحد "يستند المجمع الجزائري للغة تامازيغت إلى إشغال الخبراء، ويكلف بتوفير الشروط اللازمة لترقية تامازيغت قصد تجسيد وضعها لغةً رسميةً في ما بعد"، بما يعني أن المشرّع يقر بأنها ليست لغة مكتملة، ومع ذلك فهو يرسّمها بشكل قبلي لكن (فيما بعد)!

أنصار المسار الدستوري راهنوا على خريطة طريق السلطة، وعارضوا فكرة المجلس التأسيسي، ويعيشون صدمة كبيرة، أمام هول ما يرونه من نكوص لآمالهم العريضة في بناء الدولة النوفمبرية

وأصل الحكاية أن المطلب الثقافي البربري الذي صار يعرف، في العقدين الأخيرين، بالمطلب الأمازيغي المستحدث، شكّل، منذ ثمانينيات القرن الماضي، صداعا للدولة الجزائرية، بعد أن تمكّنت فرنسا من تقوية التيار "البربريستي" المعادي للانتماء العربي للجزائر، والذي يجعل مما يسمى "تامزغا الكبرى" الممتدة، بحسب أدبياتهم، من جزر كناري غربا إلى واحة سيوة المصرية شرقا، مناقضا لمفهوم الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، وذلك عبر الحركات الإحتجاجية التي عرفتها بعض فترات حكم هواري بومدين والشاذلي بن جديد وبدايات حكم بوتفليقة، قبل أن يبرز بشكل مثير للريبة في أثناء فترة الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير/ شباط من العام الماضي، حيث ظهرت ما تسمى الراية الثقافية الأمازيغية، منافسة للراية الوطنية الجزائرية، وكانت سببا رئيسيا في انفضاض معظم الجزائريين عن الحراك، بعد أن تبين أن الحراك الذي خرج بمطالب الحرية والديمقراطية قد اخترقته جماعات "إثنية" طرحت مطلب فئوية هوياتية، لا علاقة لها ببناء الدولة الديمقراطية.

والمثير في القضية التي تسيل حبرا كثيرا اليوم في الجزائر أن أنصار المسار الدستوري الذين راهنوا على خريطة طريق السلطة، وعارضوا فكرة المجلس التأسيسي، خوفا من الوقوع في هذه المحاذير، وكانوا سببا مباشرا في انتخاب الرئيس تبون، يعيشون حاليا صدمة وجودية كبيرة، أمام هول ما يرونه من نكوص لآمالهم العريضة في بناء الدولة النوفمبرية (نسبةً لبيان انطلاق ثورة التحرير الكبرى ضد الاستعمار) التي أكّدت الهوية العربية الإسلامية للجزائر، ذلك أنهم يشهدون بأعينهم أن ما فشل فيه المجلس التأسيسي الذي كان يُراد من خلاله إعادة صياغة الدولة وهويتها، وفق الرؤية الفرنسية، عبر تقوية كفّة الأقليات، يكاد يتحقق اليوم بحذافيره مع هذا الدستور الجديد الذي يمكن تسميته "دستورا تأسيسيا"، يعيد صياغة هوية الدولة، من خلال إقحام المادة الرابعة التي تحقق الازدواجية اللغوية الهوياتية، وجعلها مادة صمّاء، في غياب برلمان تمثيلي حقيقي للشعب الجزائري، تمكنه مناقشة بنود هذا الدستور وتفكيك ألغامه.

يمهّد هذا الوضع بجلاء، مستقبلا، لإشكالات هوياتية عويصة على الحل، وسيكون تأثيرها ليس محليا على الجزائر فقط، وإنما على مجمل المغرب العربي، بل وحتى العالم العربي وعلى أفريقيا أيضا، لأنه يؤسّس ويشرعن لهوية جديدة مصادمة للهوية العربية، بالطريقة نفسها تقريبا التي أسس لها دستور بول بريمر في العراق بعد الغزو الأميركي، والذي أسس لهويات دينية وإثنية، وكان السبب المباشر بعدها في تفكيك العراق إلى طوائف ومذاهب وأعراق، قبل أن تنتشر نيران تلك الفتنة المذهبية التي صنعت في مخابر الغرب، لتلتهم مجمل المشرق العربي.

هل نحن أمام دستور يمهّد "للفدرلة"، كمرحلة أولى نحو التقسيم الكامل على أساس عرقي لساني؟

وبسبب كل هذه المخاطر المحدقة، يدرك قطاع واسع من الجزائريين غير المهيكلين، بل والممنوعين أصلا من التهيكل، بسبب تجميد منح الاعتماد للأحزاب الجديدة التي ولدت من رحم الحراك الشعبي، والاكتفاء بالخريطة السياسية القديمة، أنهم أمام دستور يمهّد "للفدرلة"، كمرحلة أولى نحو التقسيم الكامل على أساس عرقي لساني، وهو الخطر الماحق الذي قد تتعرّض له باقي دول شمال أفريقيا في العقود المقبلة، وفي مقدمتها المغرب، إذا ما نجحت قوى الشر في جرجرة أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة إلى هذا الفخ الكبير.

يتمنّى شعب الجزائر بقاء الدولة الوطنية موحّدة بحدودها الحالية، وأن لا تتفكّك الجغرافيا والديمغرافيا إلى دويلات

الكرة الآن في مرمى الشعب الجزائري. وعلى الرغم من المخاوف المشروعة من أن يتم الاعتماد على "التزوير" في الصناديق، على الطريقة نفسها التي تم فيها تمرير المشروع على برلمان "مزوّر"، كشفت التحقيقات والمحاكمات لرموز النظام السابق أن منصب النائب كان يباع بمئات آلاف الدولارات، إلا أن ذلك لا يمنع أن يقرّر الشعب مصيره، مستحضرا عظمة ثورة نوفمبر التي أُريد أن تكون تاريخا لوأد حلم الاستقلال والحرية، لتكون موعدا متجدّدا مع التاريخ، لبعث هذا الإرث النوفمبري العظيم.

في انتظار ذلك، يحتاج الأمر أن تؤدي النخب الجزائرية الوطنية الدور الطليعي المنوط بها، ولو عبر وسائط التواصل الاجتماعي، عبر كشف ملابسات ما يراد للجزائر، من مخططات الإلحاق بباقي جغرافيا الخراب العربي، وهي المهمة التي لا تبدو سهلة أبدا، في ظل سطوة البروباغندا الرسمية المرافقة لطرح مشروع الدستور "القنبلة"، وعمليات تجنيد الإعلام والأحزاب وجمعيات المجتمع المدني، بغرض "التحسيس" لإقناع المواطن بالتصويت لصالحه، في مقابل عملية غلقٍ غير مسبوقة، أمام الرأي الآخر، لم تشهدها حتى أتعس فترات حكم الرئيس السابق بوتفليقة.

يطرح مشروع الدستور، لأول مرة، مفهوماً مختلفاً تماماً للهوية الجزائرية عما عرفته البلاد طوال تاريخها

والمؤسف حقا، الآن، أن شعبا ضرب أروع الأمثلة في حراكه أخيرا ضد حكم عصابة بوتفليقة، والذي أبهر العالم بسلميته وحضاريته، كان يُفترض أنه يناقش اليوم آليات وأدوات الحكم الراشد ودولة القانون، وقضايا الفصل بين السلطات، وتعزيز الحريات العامة والفردية، وما إلى ذلك من القضايا التي تؤسس لدولة المواطنة والإبداع، وإذ به وأمام هول الثورة المضادّة التي جاءته من حيث لا يدري، يتناسى ذلك كله، ويتمنّى فقط بقاء الدولة الوطنية موحّدة بحدودها الحالية، وأن لا تتفكّك الجغرافيا والديمغرافيا إلى دويلات ومليشيات تتقاتل لصالح قوى الاستكبار العالمي.

نحو أربعين يوما هو عمر بكامله لتجذير الوعي بالوطن الواحد، والإيمان بالأمة الواحدة، ذات رسالة خالدة، تماما كما هي فرصة نادرة لوحش الغابة، لكي ينسخ مصير السودان ولبنان والعراق على الجزائر، وينشب مخالبه في أرض الشهداء.