عندما تتوسط الإمارات في سد النهضة

عندما تتوسط الإمارات في سد النهضة

02 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

انتقلت أزمة سد النهضة إلى مستوى يتسم بالخطورة، بعد فشل جولات التفاوض. والأزمة كما تستدعي أشكالا من المواجهة تفتح أبواب الوساطة الإقليمية والدولية. كما تشكل الأزمة حالة تحدٍّ للنظام المصري، والذي استدعى خطابا يحذّر إثيوبيا والمجتمع الدولي من خطورة الملء الثاني للسد، وما يترتب عليه من أضرار بدولتي المصب، مصر والسودان، وأنه لن يمر بسهولة، ويهدّد استقرار المنطقة. ومع هذه التطورات، نشطت الإمارات دبلوماسيا لجسّ نبض أطراف الأزمة، من إمكانية تنشيط المفاوضات للوصول إلى حلول ممكنة، وتزامنت هذه المحاولات مع ادّعاءات إثيوبية تتهم مصر والسودان بتعطيل المفاوضات، ودعوة مجلس الأمن الدولتين إلى الحوار من خلال الاتحاد الأفريقي، وأخيرا طلبت مصر، في خطاب إلى مجلس الأمن، الوساطة الدولية.

وفي محاولة لتجاوز ما بدا توترا في العلاقات المصرية الإماراتية، على خلفية أزمة سد النهضة، زار ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، القاهرة، وهدفت الزيارة القصيرة إلى طرح حل للأزمة، وترميم العلاقات مع القاهرة، بعد أن أصبحت الإشارات إلى الدعم الخليجي لسد النهضة حديثا رائجا. ولذا جاءت البيانات الرسمية بلغة المبالغة ومشحونة عاطفيا (علاقة متناغمة من القلب)، والتوكيد على العلاقات الطيبة وتنوع ملفات التعاون المصري الإماراتي، ومساعي الإمارات إلى تنشيط الحوار.

تشكل أزمة سد النهضة حالة تحدٍّ للنظام المصري الذي استدعى خطابا يحذّر إثيوبيا والمجتمع الدولي من خطورة الملء الثاني للسد

وتأتي محاولة الإمارات التوسط، والتي لم تردّ عليها مصر والسودان رسميا بعد، مرتكزة على ثلاثة عوامل رئيسية: السياسة الخارجية للإمارات ومصالحها في أفريقيا، علاقات أبوظبي بأطراف التفاوض الثلاثة، وأخيرا ما يمثله الخلاف بشأن سد النهضة من تأثيرات، وفرصة سياسية لبروز الإمارات، وتعزيز مكانتها أفريقياً. وهي التي تسعى إلى شغل دور الوكيل للسياسات الأميركية عربياً، كما تطمح إلى لعب دور متزايد في أفريقيا. وفي سياق تأزم مفاوضات السد، وبعد تحذير الولايات المتحدة أطراف الأزمة من أي تصرّف، عقب تصريحاتٍ مصرية بشأن الخيارات المفتوحة، جاء التدخل الإماراتي مستندا على التوجه الأميركي، والذي حمل تحذيرا للقاهرة من الخيار العسكري. ويشكل موقف الولايات المتحدة أحد مداخل تفسير تحرّكات الإمارات أخيرا، ويعد مقياسا لطبيعة الوساطة الإماراتية ومحدّداتها وحدود الدور، والذي تمثل في محاولة دفع مصر والسودان إلى تمرير الملء الثاني مقابل مشروعات استثمارية مشتركة، مع تعهداتٍ إثيوبية بعدم الإضرار بحصة المياه للدولتين، من دون التوقيع على اتفاق ملزم، يحدد عمليتي الملء والتشغيل.

كما يشكل موقف واشنطن دافعا ومرتكزا للمبادرة الإماراتية ضمن سياق دولي وإقليمي. كما تزامنت تحرّكات الإمارات وحوارها مع أطراف الأزمة مع تعيين جيفري فيلتمان مبعوثا خاصا للقرن الأفريقي، وهو الدبلوماسي الذي شغل موقع رئاسة الشؤون السياسية في الأمم المتحدة، وسفيرا سابقا في لبنان. وجاء تعيينه، في المنصب المستحدث، لتحقيق الأهداف الأميركية في القرن الأفريقي، وفي مقدمتها الحفاظ على الاستقرار وموازين القوى، والحد من فرص تجدّد الصراعات في البحر الأحمر. وتحتاج الولايات المتحدة لتحقيق ذلك حلفاء ووكلاء (يتشاركون الأهداف نفسها). وسبق أن كتب فيلتمان عن تغيير الأوزان النسبية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وراهن على تأثير السعودية والإمارات عربياً وأفريقياً. كما قادت الإمارات موجة التطبيع العربي مع إسرائيل، والتي كانت ضمن سياقات إعادة تشكل للعلاقات. وهي تحاول لعب دور إقليمي ينافس مصر والسعودية، خصوصا بعد غرق دمشق وبغداد وعواصم عربية في الأزمات، ولا يغيب الصراع مع إيران عن المشهد.

تعتبر الإمارات الساحة الأفريقية إطارا لاغتنام الفرص، وتوسيع النفوذ الجغرافي والاقتصادي، بالإضافة إلى كسب صورة الدولة الناشطة في ملفات الأزمات والصراعات، ودعم أنشطة التعاون الدولي، عبر المشروعات الإنمائية التي تتضمن قروضا ومنحا ومساعدات تقدمها أبوظبي، لتصبح ضمن أكبر المانحين منذ 2013، حيث تجاوزت قيمة مشروعاتها سنويا 1% من الدخل القومي. وحولت في توجهها من آسيا إلى أفريقيا عام 2019 بمعدل نمو 79% مقارنة بعام 2018، بينما غطت المشروعات 52 دولة في أفريقيا خلال 2019، وتركزت مشروعات 2018 (74%) في شرق أفريقيا (حسب تقارير المساعدات الخارجية)، وتتجاور هذه المشروعات مع جهود الوساطة وأشكال التدخلات الأخرى، وتستهدف تعزيز مكانتها.

يشكل موقف الولايات المتحدة أحد مداخل تفسير تحرّكات الإمارات أخيرا، ويعد مقياسا لطبيعة الوساطة الإماراتية ومحدّداتها وحدود الدور

وحسب مؤشرات عديدة، تعد أفريقيا مرتكزا للنشاط الاقتصادي والدبلوماسي الإماراتي. ومنذ حرب اليمن، سعت الإمارات إلى توسيع الوجود العسكري، والسيطرة على الموانئ وإنشاء قواعد عسكرية (في الصومال واليمن وإريتريا). وعن طريق هذه الأدوار المتعدّدة، تحاول إيجاد فائض من النفوذ يعزّز مكانتها دوليا وتحالفاتها، منطلقة من مرتكزات الجغرافيا الاقتصادية والسياسية.

وعموما تتراوح الوساطة وتتأسس على القدرة في التأثير وامتلاك النفوذ. وتحاول الإمارات استثمار ذلك مع أطراف أزمة سد النهضة، إلا أن حساسية موضوع الوساطة وآثاره تقلل من احتمالية قدرتها على الوصول إلى حلول تفكّك الأزمة، فالوعود الاستثمارية والتعاون الاقتصادي لن يزيل المخاوف، ما يؤشّر إلى أن جهود أبوظبي لن تقيم على الأرجح واقعا جديدا، يغير من طبيعة المواجهة، ولا يفكك الأزمة، حتى ولو تم التوصل إلى تمرير الملء الثاني وضمان تدفق المياه من دون اتفاق.

وتطرح مبادرة الوساطة تساؤلاتٍ بشأن موقف إثيوبيا التي كانت ترفض أي وساطة خارج الاتحاد الأفريقي، بينما لم تعلن دبلوماسيتها التي تردّ على كل شاردة رفضها الوساطة الإماراتية. ورحّبت سابقا بتوسط الإمارات في النزاع الحدودي مع السودان، ما يؤشر إلى ترحيب ضمني، ورهانها على تأثير إماراتي على موقفي مصر والسودان. ويتأسس الموقف الإثيوبي على خبرة سابقة وعلاقات قوية مع الإمارات التي توسطت مع السعودية، وعبر رعاية أميركية، لإبرام اتفاق سلام (جدة 2018) مع إريتريا. والأخيرة قادت مع جارتها إثيوبيا ساحة الحرب في مواجهة مع جبهة تحرير شعب التيغراي، وارتكبت جرائم حرب.

ستكون الإمارات في موضع اختبار إذا تعقدت أزمة سد النهضة، بحكم وجودها في إثيوبيا وإريتريا، ومنطقة القرن الأفريقي

ستكون الإمارات في موضع اختبار إذا تعقدت أزمة سد النهضة، بحكم وجودها في إثيوبيا وإريتريا، ومنطقة القرن الأفريقي عموما التي تشهد صراعات نفوذ متعدّدة، تركية وقطرية وسعودية، خصوصا أن الإمارات وظّفت كل إمكاناتها للوجود في المنطقة، غير أن علاقاتها مع القاهرة (تسمّيها تحالفا استراتيجيا) تفترض دورا مساندا، وليس ضاغطا. وإذ لم تستطع إظهار ذلك فإنها ستعمق قلق النظام المصري من تحرّكاتها في المنطقة، خصوصا مع "لهفة" أبوظبي إلى تعميق التعاون مع إسرائيل، بما فيه العسكري، في القرن الأفريقي.

وأخيرا شكلت زيارة محمد بن زايد إلى القاهرة الأسبوع الماضي محاولة لإعادة بناء العلاقات المصرية الإماراتية، خصوصا مع تفكّك التحالف الرباعي مع السعودية والبحرين، وإشارات من دول خليجية بشأن الحوار مع إيران (السعودية وقطر خصوصا)، وما بدا أخيرا من تفاهمات مصرية تركية. لهذا كله، جاءت مبادرة الإمارات، وإيضاح موقفها من أزمة سد النهضة، والرد على غضبٍ كامنٍ تجاه مواقف عربية لا ترى فيها القاهرة مساندةً كافيةً ومتناسبة مع علاقاتها مع حلفائها. ولقد اتضح هذا المسعى، من قراءة التصريحات الرسمية بشأن اللقاء، ونفي وجود خلافاتٍ أو توترات في العلاقة الثنائية بين أبوظبي والقاهرة، وما بدا من حفاوة الاستقبال والوداع بين الجانبين، وتأبط محمد بن زايد ذراع السيسي، وصولا إلى توديعه في المطار، انتهى بتقديم بن زايد التحية العسكرية على سلم الطائرة قبل أن يدير ظهره لمودّعيه.