عندما تأكل الثورة أبناءها

عندما تأكل الثورة أبناءها

25 يونيو 2021
الصورة

في مظاهرة برام الله تطالب الرئيس عباس بالاستقالة بعد مقتل نزار بنات (24/6/2021/فرانس برس)

+ الخط -

يحكي أمجد سلهب (21 عاما)، عن ليال طويلةٍ قضاها بداية العام 2017 في سجن تابع للمخابرات الفلسطينية، تعرّض خلالها للضرب والشبح والتعليق من أطرافه في سقف الزنزانة. شارك الطالب الجامعي أمجد تجربته المريرة مع شبانٍ ظهروا في فيلم أنتجته مؤسسة الحق الفلسطينية وسمّته "رسالة إلى الرئيس"، عرض شهادات خمسة شبّان فلسطينيين، اعتقلوا بتهم سياسية ومدنية، وتعرّضوا جميعهم للتعذيب في سجون الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالضفة الغربية. يروي سلهب تفاصيل اعتقاله في يناير/ كانون الثاني 2017 ونقله إلى سجن أريحا، توافق كثيرون على تسميته "مسلخ أريحا"، حيث قُيدت يداه إلى ظهره مربوطان برجله اليمنى وتم تعليقه بالسقف ساعات.

على قساوة ما ذاقه أمجد سلهب من ظلم ذوي القربى، إلا أن القدر قدّر له البقاء على قيد الحياة، ليروي تفاصيل تعذيبه في أقبية أجهزة الأمن الفلسطينية. أما نزار بنات، الذي قضى فجر أمس، فلن يستطيع رواية ما حدث، بعدما اعتقلته الأجهزة الأمنية بناء على مذكرة إحضار من النيابة العامة، كما قال محافظ الخليل، اللواء جبرين البكري. مات نزار في مستشفى الخليل بعد تدهور صحته، حسب رواية المحافظ. لم يحمل نزار السلاح في وجه السلطة، ولم يكن له من عتاد المواجهة سوى الكلمة التي جهر بها لمحاربة (وفضح) الفساد في السلطة الفلسطينية والجهاز القضائي في الضفة الغربية. تعرّض للملاحقة والاعتقال على يد أمن السلطة مرّات عدة. ترشّح للمجلس التشريعي ضمن قائمة الحرية والكرامة. وخلال حملة الانتخابات، تعرّض منزله إلى إطلاق نار، وتعرّض لمزيد من التهديد وحملات التشويه بعد مطالبته الاتحاد الأوروبي بوقف الدعم المالي للسلطة الفلسطينية، وفتح تحقيقٍ في ملفات الفساد المالي، على خلفية قرار الرئيس محمود عباس تأجيل الانتخابات.

يُشير مقتل نزار بنات، علما أنه ليس أول من قضوا في سجون السلطة، إلى تطور خطير في سلوك السلطة الفلسطينية التي استنفرت أجهزتها بعد الحرب الإسرائيلية أخيرا على قطاع غزة في 21 مايو/ أيار الماضي، حيث سجلت منظمات محلية ودولية نحو 150 حالة اعتقال واستدعاء على خلفيات سياسة تتعلّق بالنشر وحرية الرأي والتعبير، فيما تعرّض ناشطون عديدون لعمليات تعذيب ممنهجة، خصوصا في سجن أريحا. وتعبر ممارسات الأجهزة الأمنية عن نهج واضح يرمي إلى تكميم الأفواه، وإرسال رسالة تهديدٍ لإرهاب الناشطين والمعارضين وإسكاتهم، خصوصا بعد تأجيل الانتخابات التي كان الفلسطينيون يتطلعون أن تكون بوابة للتغيير الديمقراطي وتجديد الشرعيات الفلسطينية.

من المتوقع أن تسارع الحكومة الفلسطينية إلى تشكيل لجنةٍ للتحقيق في ملابسات مقتل نزار بنات، ومن غير المستبعد أن تنتهي اللجنة إلى مصير غيرها من اللجان التي تشكّلت للتحقيق في قضايا مختلفة، من مقتل الزعيم ياسر عرفات وانتهاء بصفقة لقاحات كورونا مع الاحتلال. وربما يكون من الأجدى أن تسارع السلطة الفلسطينية إلى إجراءاتٍ أكثر مصداقية، من قبيل إعادة النظر في السياسية الأمنية القائمة على الاستهداف الممنهج للنشطاء السياسيين والحقوقيين، وإعادة بناء العقيدة الأمنية على أساس احترام الحقوق والحريات للمواطنين. أضف إلى ذلك إلزام المؤسسات الرسمية باحترام التزامات دولة فلسطين القانونية، بموجب الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق التي انضمت إليها، وفي المقدمة منها العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، واتفاقية مناهضة التعذيب .

وعلى الرئيس الفلسطيني، المتفرّد بالقرار في كل مؤسسات السلطة، استئناف المسار الانتخابي، والدعوة العاجلة إلى تنظيم انتخاباتٍ عامةٍ وشاملةٍ ومتزامنة، على أساس قانون انتخابي متوافق عليه، ومحكمة نزيهة لقضايا الانتخابات، احتراماً لمبدأ التداول السلمي للسلطة، ولحق الشعب في منح الشرعية للسلطات، مع ما يتطلبه ذلك من تهيئة بيئةٍ انتخابيةٍ حرّة ونزيهة، لتمكين العملية الديمقراطية.

كان نزار بنات، مثل كل فلسطيني، يحلم بثورة تُحرّر الأرض والإنسان، فلم يبق من حلمه سوى "ثورة تأكل أبناءها"، بتعبير الثائر الفرنسي جورج جاك دانتون وهو أمام مقصلة الإعدام.