عماد الرواشدة... الصحافة والثقافة معاً
لمّا سأله القائمون على تسيير الحوارية معه في معهد السياسة والمجتمع في عمّان عن التعريف به، الذي يُؤثره أمام الحضور، مراسلَ تلفزيون العربي في الولايات المتحدة أم المحلل السياسي، أجاب عماد الرواشدة بصفته مراسلاً، غير أنهم جمعوا التعريفَيْن في تقديمه. وأقول هنا إنهم نادرون في الفضائيات والصحافات العربية، من يراسلونها ويزوّدونها بالأخبار والتقارير، وتجتمع فيهم الصفتان، وبعضُهم بارعون في تغطياتهم وإحاطتهم الجمهور بأحدث المستجدّات، غير أنهم (وهذا لا يضيرهم) ليسوا في السويّة نفسها في قراءة الوقائع والأحداث وتفكيك سياقاتها وربط جديدها بقديمها. والزعم هنا إن عماد واحدٌ من كفاءاتٍ نادرةٍ في هذا كله في الشأن الأميركي. ولا حاجة هنا إلى القول إنه شأن موصولٌ، بداهةً، بكل قضايا العالم، فلا يجوز، إذا كنت صحافياً في واشنطن، أن تشغلك خطّة ترامب في غزّة عن متابعة الموقف الأميركي من انقلابٍ عسكريٍّ يحدُث في غينيا بيساو (2025). ولا مجازفة في اعتبار إطلالات زميلنا الإخبارية، الموشّاة غالباً بمقادير من التفسير والتشريح، وكذا التحيليلة الصرفة، على شاشة "تلفزيون العربي" من الولايات المتحدة، مرجعيةً لأهل الإعلام والدرْس السياسي، في التعرّف على راهن المشهد الأميركي العام، وتعقيدات المفاعيل التي تصوغه، وتؤثّر فيه. ولا يكتفي عماد الرواشدة، المجتهد، باستعراض الجديد في لحظته، وإنما يحيط به من جوانبه المهمّة، وبلغةٍ طلْقةٍ وأفكارٍ متكاملة، بالإيجاز الوافي الذي تتطلبه الحرفيّة التلفزيونية العالية. وفي قراءتك تدويناته في حساباته في مواقع التواصل، عن مستجدات أميركية وعربية ودولية، ترى حذاقته في تفسير هذا المستجد وذاك، صدوراً عن درايةٍ لافتةٍ، ومعرفةٍ يُغبط عليها الصحافي الموهوب.
درس عماد الرواشدة (1982) العلوم السياسية في الجامعة الأردنية، قبل دراسته الماجستير في الصحافة في جامعة جورج تاون، تخصّص وأنجز في الصحافة الاستقصائية سنوات، وعمل مراسلاً غير متفرّغ ومدرّباً ومستشار تحرير في مؤسّستين في واشنطن، إحداهما تومسون رويترز. وكان قد بدأ في إذاعاتٍ محليةٍ أردنية، قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة في 2013. وانضمّ إلى تلفزيون العربي في 2021 مراسلاً من هناك. وتعدّ رحلته المهنية هذه مسار نجاح شابٍّ توازى فيها التأهيل العلمي الجامعي مع العمل الميداني في الصحافة، ومع الثقافة التأصيلية في السياسة، وفي هذا كله (وغيره) اختبر الشاب الأردني، من قرية المقلاعية في لواء الشوبك (جنوب)، قدراته بما تسلّحت به موهبتُه، وعمل على تطوير إمكاناته، فتحقق له هذا الحضور الخاص رجلَ إعلام عصري، ومن أهل الجدارة في درس السياسة ومتغيّراتها وطوارئها.
صحيحٌ قولُ من قد يقول إن عماد لم تكن ليتحقّق له هذا التميّز الإعلامي لو بقي في بلده، لافتقار الأردن إلى بيئةٍ إعلاميةٍ قويةٍ قادرة على إبراز الكفاءات الخاصة وتثمير طاقاتها وتشجيعها في طموحها، ما لا يعود فقط إلى محدودية إمكانات المؤسّسات الصحافية القائمة، ولا إلى محليتّها، وإنما أيضاً إلى اختناق الفرص أمام الشباب الواعد، وإلى اعتباراتٍ مُحبطة غالباَ. وليس هذا هجاء، وإنما توصيفٌ يكاد ينسحب على بيئاتٍ عربيةٍ عديدة. ولهذا، من بالغ الطبيعي أن ترى قدراتٍ أردنية، في الإعلام وغيره، استطاعت أن تحقّق طموحاتها (أو بعضها) عندما تيسّرت لها، في خارج بلدها، سبلٌ عمليةٌ في هذا، وعندما وجدت أن السقوف غير واطئةٍ أمام مزاولتها عملها. ولم يكن زميلنا الرواشدة ينتقل، في محطّات خبرته الإعلامية، من مؤسّسةٍ إلى أخرى، بقدر ما كان ينتقل من تجربةٍ إلى أخرى، تثري كلٌّ منها ملكاته ومنظوراته في مزاولة مهنةٍ لم تعد المنافسة فيها هيّنة، حيث الجمهور لا يتسامح مع من يثرثرون قدّامه، ومن يتعالمون عليه.
بسط عماد الرواشدة في الحوارية معه، ظهيرة السبت الماضي في عمّان، عرضاً عن راهن المشهد الانتخابي الأميركي، وعن ظاهرة زهران ممداني وعبد الرحمن السيد، ومن خلفهما بيرني ساندرز، موصولاً بما هو اجتماعيٌّ وطبقيٌّ وخدماتيٌّ وعِرقيٌّ في نيويورك وميشيغن وفلوريدا وولاياتٍ أميركيةٍ عديدةٍ وأطرافها وحوافّها، فلم يكن زميلنا صحافياً فقط، بل أيضاً عارفاً بالاجتماع والاقتصاد وبالأبعاد الثقافية العامة في الشأن الذي تحدّث فيه... وهذا عظيم الإفادة، على ما أحرزنا بعد مختتم الحوارية التي لا يُشكر معهد السياسة والمجتمع على تنظيمها فقط، بل أيضاً على دعوة شخصي إليها، فقد كان سيفوتُني كثيرٌ مهمٌّ لولاها.