علامات فارقة في رئاسيات أميركا

20 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

بعد فرز وتدقيق وطول انتظار، باحت صناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية الأميركية بأسرارها، وأعلنت وسائل إعلام أميركية ودولية موثوقة تصدّر المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن (77 سنة) نتائج السباق الانتخابي، وفوزه بمنصب الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، وذلك إثر حصوله على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي (306 من مجموع 538)، وتقدّمه في التصويت الشعبي بعد أن منحه زهاء 76 مليون مواطن أميركي ثقتهم. وحقّق بذلك تقدّما معتبرا على منافسه الجمهوري، دونالد ترامب، الذي لم يتجاوز عدد المصوّتين له حدود 72 مليون ناخب، وحصل على 232 من أصوات المجمع الانتخابي. واللافت أنّ الانتخابات الرئاسية الأميركية 2020 حملت طيّها عدّة علامات فارقة دالّة، منها ما تعلّق بحجم الإقبال الشعبي على الفعل الانتخابي، ومنها ما اتّصل بتمكين المرأة في مؤسسة الرئاسة، وما دار حول مدى تسليم المتنافسين بنتائج صندوق الاقتراع، وما تعلّق بقوّة السلطة الرابعة وأزمة انتقال الرئاسة في أميركا.

ما لا يقلّ عن 160 مليون مواطن أميركي مارسوا حقّهم في التصويت، وهو عدد لم تشهده البلاد منذ عقود

تعيش الولايات المتحدة الأميركية، مثل أغلب بلدان العالم، ظرفا استثنائيا عصيبا بسبب انتشار فيروس كورونا الذي أدّى إلى هلاك الآلاف وإصابة الملايين بأعراض الوباء الخبيث. لكنّ ذلك لم يمنع الأميركيين من الإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، واختيار المرشّح الأنسب من وجهة نظرهم لقيادة البلاد في المرحلة المقبلة. وتفيد الإحصائيات بأنّ ما لا يقلّ عن 160 مليون مواطن أميركي مارسوا حقّهم في التصويت، وهي نسبة إقبال شعبية عالية، لم تشهدها البلاد منذ عقود. والملاحظ هنا أنّ الديمقراطية الأميركية طوّرت أدواتها، وتكيّفت مع مستجدّات الوضع الوبائي، ففتحت المجال لتأمين الاقتراع الشعبي عن بعد (عن طريق البريد العادي أو الإلكتروني)، وهو ما شجّع كثيرين على المشاركة في الحدث الانتخابي، خصوصا كبار السن، والمصابين بأمراض مزمنة، وذوي الاحتياجات الخاصّة. فوفّرت الرقمنة الشاملة وآلية التواصل عبر البريد للمواطن فرصة التعبير عن رأيه، وهو جالس في منزله أو مقرّ عمله. وفي ذلك ربح للوقت والجهد، وتيسير لممارسة حق الانتخاب. كما مارس آخرون حقّهم في التصويت المباشر في مراكز الاقتراع. والمراد استقطاب أكبر عدد ممكن من الناخبين، وتفعيل دورهم في اختيار من يمثلهم. وفي السياق نفسه، شارك آلاف المتطوّعين والمراقبين في عمليّات الفرز والمعاينة في مكاتب الاقتراع، وتحلّوا بدرجة عالية من الصبر والمسؤولية والمثابرة، وأبدوا حرْصا على تجميع كلّ الأصوات وعدّها وتصنيفها، على نحو يسمح لكلّ مواطن بأن يأمن على صوته. وهذا الاحتفال بالانتخاب والحرص عليه في السياق الأميركي دالّ على أنّ الناخبين يثقون في مؤسّسات النظام الديمقراطي، ويرون أصواتهم ناجعة، وازنة، وقادرة على تثبيت الوضع السياسي أو تغييره. كلّ حسب إرادته. فالتصويت أعدل الأشياء قسمةً بين النّاس. والمواطن، إذ يتحدّى كورونا، وبرودة الطقس، ويقف في طوابير لينتخب، إنّما يرى نفسه يصنع التاريخ ويرسم مصير أميركا على طريقته، وشعاره في كلّ ذلك "أنا أنتخب إذن أنا موجود".

الديمقراطية الأميركية طوّرت أدواتها، وتكيّفت مع مستجدّات الوضع الوبائي، ففتحت المجال لتأمين الاقتراع الشعبي عن بعد

على صعيد آخر، مثّل صعود كامالا هاريس، نائبة جوزيف بايدن، إلى سدّة مؤسّسة الرئاسة في الولايات المتحدة علامة فارقة في تاريخ هذا البلد، فهي أوّل امرأة تتقلّد هذا المنصب القيادي المهمّ، وتنتمي إلى أسرة مهاجرة، ذلك أنّ والدها جامايكي وأمّها هندية. وتولّيها منصب نائب رئيس أميركا يحمل طيّه عدّة رسائل، لعلّ أهمّها تمكين المرأة في المجال السياسي عموما، وفي أعلى هرم صناعة القرار خصوصا في بلد احتكر فيه الذكور جلّ المواقع القيادية في مؤسسة الحكم في أميركا. وتكليف هاريس بهذه المسؤولية تتويج للدور التاريخي الذي اضطلعت به الجاليات المهاجرة في بناء أميركا الحديثة. ويسمح دخول هذه المرأة البيت الأبيض بتحقيق توازن ما بين البيض والسود في إدارة مؤسسة الحكم، ويدلّ على أنّ الديمقراطية الأميركية الجديدة تشاركية، مفتوحة، لا تستثني أحدا، بل تستقطب فاعلين سياسيين، ينحدرون من خلفياتٍ عرقية، وأيديولوجية، ودينية، وحضارية متباينة، وتضمن لهم الانخراط في دواليب السلطة بناء على نتائج صندوق الاقتراع، وهو ما يعزّز مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين في مجال المشاركة السياسية وإدارة الشأن العام. ويؤكّد هذا التوجّه صعود عدد معتبر من المسلمين والعرب إلى مواقع قيادية في انتخابات مجلس النواب أخيرا.
يُضاف إلى ما تقدّم أنّ الانتخابات الأميركية كشفت قوّة الإعلام باعتباره السلطة الرابعة في البلاد، فقد لعب دورا فعّالا في توجيه الرأي العام، وكشف نواقص الإدارة الأميركية على عهد ترامب في التعاطي مع أزمة كورونا، وفي التعامل مع احتجاجات حركة "حياة السود مهمّة". وفتحت المنابر الإعلامية المجال واسعا للنقاش في قضايا الشأن العام، وفي مقدّمتها المسار الانتخابي. وظهر أنّ الجمهور في أميركا وخارجها يتقبّل نتائج الانتخابات من خلال متابعة وسائل الإعلام التي واكبت بشكل حيني مستجدّات العملية الانتخابية، وسبقت الجهات الرسمية في إعلان اسم الفائز برئاسيات أميركا 2020. وذلك لما تتمتّع به تلك المنابر الإعلامية من استقلالية في علاقتها بالنظام الحاكم، ولما تتميّز به من حرفية أكسبتها ثقة قطاع مهمّ الأميركيين. والملاحظ أنّ وسائل إعلامية مرموقة لم تقف عند نقل إحداثيات الاستحقاق الانتخابي. بل بذلت أيضا جهودا معتبرة لمكافحة الإشاعة، وجدّت في مقاومة محاولات تزييف الوعي الجمعي في علاقة بالانتخابات. واللافت هنا أنّ قنوات تلفزية أميركية أوقفت بثّ خطاب مباشر للرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، لأنّه تضمّن مزاعم بحدوث تزوير في الانتخابات من دون تقديم أدلّة بيّنة/ مقنعة في هذا الخصوص.

مثّل صعود كامالا هاريس إلى سدّة مؤسّسة الرئاسة علامة فارقة في تاريخ أميركا، كـأوّل امرأة تتقلّد هذا المنصب القيادي المهمّ

ويبقى قدح ترامب وطيف من أنصاره في الحزب الجمهوري في نتائج الانتخابات الرئاسية، ورفضهم التسليم بالهزيمة وتهنئة الرئيس الجديد بالفوز علامة فارقة في تاريخ الانتخابات الأميركية، فنادرا ما تمّ التشكيك في نتائج السباق الرئاسي. والمشهود حاليا أنّ حملة ترامب لا تكتفي برفض نتائج الفرز في عدّة مقاطعات، والمطالبة بالتدقيق في أصوات الناخبين. بل تتجاوز ذلك إلى عدم إبداء التعاون الكافي لتسليم مقاليد إدارة البلد إلى الفريق الرئاسي الجديد بقيادة بايدن، وتبذل جهودا جمّة لتعطيل الانتقال السياسي (الرئاسي) في البيت الأبيض، عبر إغراق العملية الانتخابية في أتون المنازعات القضائية. ومع أنّ هذا الاشتباك القانوني لن يؤدّي إلى تغيير جوهري في نتائج الانتخابات، في ظلّ عدم وجود أدلّة واضحة على حدوث خروق فادحة، فإنّ هذا المدى الهائل من التشكيك وترويج نظرية المؤامرة يمسّ عمليا المشروعية الانتخابية، ويُسيء لنزاهة المشرفين على المسار الانتخابي عموما، ويؤجّج الاستقطاب بين الجمهوريين والديمقراطيين ويعمّق الانقسام في الداخل الأميركي، وينذر بتهديد السلم الأهلي، ويخدم الأنظمة الشمولية في العالم الحريصة على تشويه النموذج الديمقراطي الأميركي. ومن المفيد التنويه هنا إلى أنّ ترامب، على الرغم من نفوذه المعتبر، لم يعمد إلى عسكرة الشارع وإنزال الدبابات، بغرض الانقلاب على نتائج الانتخابات وفرْض وجهة نظره، كما يحدث في بلدان عربية وبعض دول العالم الثالث، بل اتجه إلى القضاء، لعلمه أنّ تغيير إرادة الناخبين بالقوّة خطوة غير مأمونة العواقب، وعملية مستحيلة في مجتمع ديمقراطي. 
ختاما، أكّدت الرئاسيات الأميركية 2020 رسوخ الثقافة الديمقراطية في الوعي الجمْعي الأميركي، وتعلّق الناخبين والمنتخبين بحقّ التصويت وسلطة القانون، والتزامهم السلمية لتحقيق التداول السلمي على الحكم. وعزّز السباق الانتخابي الجديد مشروع تمكين المرأة والمهاجرين في المناصب القيادية، والدور الهائل للإعلام في ضمان الشفافية والنزاهة وتثبيت ثقافة الاختلاف. وأحرى بالجمهوريين والديمقراطيين تجاوز الخلافات الحزبية والحسابات الشخصية، ومدّ جسور التواصل لتأمين انتقال سلس للسلظة تحقيقا للصالح العام، وضمانا لسيادة الديمقراطية في بلد يرفع شعار قيادة العالم الحر.