عقل نووي بلا كوابح

08 فبراير 2026

(Getty)

+ الخط -

أصبح العالم، يوم الخميس الماضي، لأوّل مرّة منذ 50 عاماً، خالياً من أيّ اتفاقيّة ملزمة بالحدّ من الأسلحة النوويّة الاستراتيجيّة بين الولايات المتّحدة وروسيا، القوّتين الأكبر في إنتاج الرعب. انتهت اتفاقيّة "ستارت الجديدة" التي وقعها أوباما وميدفيديف عام 2010، وانتهى معها ما يشبه أدب الحدّ الأدنى في العلاقات الدولية: ذلك النوع من الاتفاقيات التي لا تُنقذ البشرية، لكنها تؤجّل موتها قليلاً. لم تكن "ستارت" يوماً وثيقة أخلاقية تُقرأ على ضوء الشموع، ولا عهد سلامٍ يُعلّق في متحف الإنسانية. كانت أشبه بحزام أمان في سيارة يقودها مجانين بسرعات قصوى، وكلّ واحد منهم مقتنع بأنّ الحزام لا يمنع الجنون بل يقلّل عدد الجثث، وأنّه بذلك يخدع الجميع. واليوم، وقد فُكّ الحزام، لم يعد السؤال دبلوماسياً ولا تقنياً، بل وجودياً بامتياز: ماذا يعني أن نعيش في عالمٍ نوويّ بلا سقف قانوني؟ بلا عدّاد؟ بلا شاهد؟

لنعترف أولاً بما لا تعترف به السياسة: لم تلغ "ستارت" الرؤوسَ النووية، ولم تُحوّل الصواريخ إلى حمائم، لكنها فرضت شيئاً نادراً في عالم الشكّ: المعرفة. كم رأساً تملك؟ أين تخزّنها؟ كم اختبرت منها؟ إلى أيّ حدّ طوّرتها؟ كان التفتيش المتبادل نوعاً من التحليل النفسي الجماعي: أنا أراك إذن لن تُفاجئني. أنت تراني إذن أنا مضطرٌّ إلى كبح اندفاعي والتحكّم في غرائزي. كان الإحصاء فضيلةً في عالمٍ تحكمه البارانويا. لكن هل يحتاج النووي فعلاً إلى حدود؟ أليست القدرة على تدمير الكوكب مرة واحدة كافية؟ لماذا نحتاج إلى تدميره ألف مرة؟ هنا ينكشف منطق الردع النووي بوصفه أحد أكثر الفلسفات عبثاً في التاريخ: السلام مضمون لأن الجميع قادر على الانتحار الجماعي. أخلاق قائمة على مسدس مصوَّب إلى الرأس، مع ابتسامة مطمئنة.

يقول أنصار الاتفاقية إنها منعت سباقاً محموماً ووفّرت قدراً من الاستقرار. فيردّ منتقدوها بأنها لم تمنع تحديث الأسلحة ولا الخطاب التهديدي، ولا تحويل النووي إلى مادة انتخابية. والحقيقة، كالعادة، أقل نقاءً من الفريقين: ربما لم تُنقذ "ستارت" العالم لكنها أخّرت سقوطه. وربما لا يعني انتهاؤها أن الصواريخ ستنطلق غداً، لكنه يفتح بابًا مقلقًا لمنطق بسيط وخطير: لِمَ لا؟ لماذا لا نزيد عدد الرؤوس؟ لماذا لا ننوّعها؟ لماذا لا نختبر المزيد منها؟ لماذا لا نضع السلاح في الفضاء ما دام الفضاء بلا قوانين فعّالة؟ والحقّ أنّ اختفاء القواعد لا يعني انتصار السلام بقدر ما يعني انتصار الميزانية الأكبر، والخطاب الأعلى صوتًا، والزعيم الأكثر استعداداً للمقامرة. هنا يصبح سباقُ الخطاب أخطر من سباق التسلّح نفسه. فاللغة حين تُفلت من عقالها تدرّب الشعوب على تقبّل ما كان مستحيلاً بالأمس. هكذا لم يعد النووي "آخر الملاذ" بل صار احتمالاً يومياً. صفاقة متبجّحة. تهديداً بلا استعارة. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: التطبيع مع فكرة النهاية. أن تصبح نهاية العالم خياراً استراتيجياً، لا كابوساً.

لا يمكن، طبعاً، تجاهلُ فكرة أنّ خرائط القوة ليست مسألة ثابتة. الصين تراقب. أوروبا مرتبكة. العالم يتشظّى. الذكاء الاصطناعي يَعِد بـ"دمقرطة" أدوات القتل. المواد النادرة قد تصبح جواز مرور إلى نوادٍ نووية جديدة. وإذا دخلنا زمن التشرذم النووي، فلن تكفي الاتفاقات الثنائية، ولا الثلاثية، ولا حتى النيات الحسنة. الجميع يشكّ في الجميع، والجميع يسلّح المستقبل خوفًا منه، لا ثقةً بالعقل ولا إيماناً بالتاريخ، بل استباقاً لانهياره. كانت حنّة أرندت ستقرأ هذا المشهد بوصفه انتصاراً لتفاهة الشرّ: أمّا غونتر غراس، فربّما اكتفى بالقول إنّ الكارثة تبدأ حين يسبق الصمتُ الندم.

ليس انتهاء "ستارت" حدثاً تقنياً، بل علامة على زمن يتآكل فيه العقل التفاوضي. زمن تُستبدل فيه المعاهدات بدبلوماسية الصراخ. في هذا العالم، يبدو الإصبع أقرب إلى الزر، بينما تظلّ الحكمة آخر من يُستشار. أمّا البشريّة فتتقدّم نحو الحافة بثقة غريبة، كأنّها جرّبتها برعبها، مدركة أنّ الأخطر من السلاح نفسه، ترويض العالم على أنّ العيش من دون سلاحٍ فكرة محرّمة، وتدريبه على ذكره بلا رجفة، وعلى تخيّل استخدامه بلا ذهول، وعلى تبرير وجوده باسم العقل. والسؤال الأخير، وربما الأكثر سخرية: هل ألغينا اتفاقيات الحدّ من النووي لأننا لم نعد نخاف الموت، أم لأننا لم نعد نخافه بما يكفي؟