عقل الترقي في الدين وأسرى الاستبداد "المساكين"

25 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

ربما استند بعضهم في تفسير أن يكون الدين كأفيون الشعوب، إلى أنه يُعد أهم العوامل في خروج الأمم عن ميلها الطبيعي والفطري وطلب الانحطاط لا الترقي؛ خصوصا بعض التوجهات الغربية التي تقف موقفا سلبيا من مجمل حركة الدين وتأثيره الإيجابي على حركة الحياة وترقيها؛ "بعض الاجتماعيين في الغرب يرون أنَّ الدِّين يؤثِّر على الترقّي الإفرادي، ثمَّ الاجتماعي تأثيراً معطِّلاً كفعل الأفيون في الحسِّ، أو حاجباً كالغيم يغشى نور الشمس. وهناك بعض الغلاة يقولون: الدين والعقل ضدّان متزاحمان في الرؤوس، وإنَّ أول نقطة من الترقّي تبتدئ عند آخر نقطة من الدين. وإنَّ أصدق ما يُستدَّلُّ به؛ على مرتبة الرُّقي والانحطاط في الأفراد أو في الأمم الغابرة والحاضرة، هو مقياس الارتباط بالدين قوةً وضعفاً. هذه الآراء كلُّها صحيحة لا مجال للردِّ عليها، ولكن؛ بالنظر إلى الأديان الخرافية أساساً أو التي لم تقف عند حدِّ الحكمة،.. لأنَّ مجرَّد الإذعان لما يعقل برهان على فساد بعض مراكز العقل، ولهذا أصبح العالم المتمدن يعدُّ الانتساب إلى هذه العقيدة من العار؛ لأنه شعار الحُمق". ينبّه عبد الرحمن الكواكبي إذن إلى دور التدين السلبي الذي يعطل مراكز التفكير والعقل الناهض الطالب للترقي فيطلب النقيض من الانحطاط من جرّاء الفعل الاستبدادي والحالة الطغيانية.

ينبّه الكواكبي إلى دور التدين السلبي الذي يعطل مراكز التفكير والعقل الناهض الطالب للترقي

أما الأديان الناهضة بالعقل ومراكز التفكير وتحريك أصول الفطر السليمة والقويمة، فإن لها شأنا آخر في طلب الترقي، ونبذ كل مصادر الإنحطاط ومظاهره ومسالكه بما تملكه من المبادئ الشريفة وأحوال نفسية جمعية ناهضة طالبة للترقي رافضة للانحطاط؛ حافزة للعقل دافعة للحرية رافعة للتحرر، "أما الأديان المبنية على العقل المحض، كالإسلام الموصوف بدين الفطرة، ولا أعني بالإسلام ما يدين به أكثر المسلمين الآن، إنَّما أريد بالإسلام: دين القرآن؛ أي الدين الذي يقوى على فهمه من القرآن؛ .. فلا شك أنَّ الدِّين إذا كان مبنياً على العقل، يكون أفضل صارف للفكر عن الوقوع في مصائد المخرِّفين، وأنفع وازع بضبط النَّفس من الشطط، وأقوى مؤثِّر لتهذيب الأخلاق، وأكبر معين على تحمُّل مشاقّ الحياة، وأعظم منشِّط على الأعمال المهمَّة الخطرة، وأجلَّ مثبِّت على المبادئ الشريفة، وفي النتيجة يكون أصحَّ مقياس يُستدلُّ به على الأحوال النفسية في الأمم والأفراد رقيّاً وانحطاطاً".. إنَّ الناظر في القرآن حقّ النظر يرى أنَّه لا يكلِّف الإنسان أبداً بالإذعان لشيء فوق العقل، بل يحذِّره وينهاه عن الإيمان اتِّباعاً لرأي الغير أو تقليداً للآباء. ويراه طافحاً بالتنبيه إلى إعمال الإنسان فكره ونظره في هذه الكائنات وعظيم انتظامها، .. وكفى بالإسلامية رقيّاً في التشريع، رقيّها بالبشر إلى منزلة حصرها أسارة الإنسان في جهة شريفة واحدة، وهي الله، وعتقها عقل البشر عن توهُّم وجود قوة ما، في غير الله، من شأنها أن تأتي للإنسان بخيرٍ ما، أو تدفع عنه شرّاً ما .. وأعظم بهذا التعليم الذي يرمي الإنسان عن عاتقه جبالاً من الخوف والأوهام والخيالات، .. أو ليس العتيق من الأوهام يصبح صحيح العقل، قوي الإرادة، ثابت العزيمة، قائده الحكمة، سائقه الوجدان، فيعيش حرّاً، فرحاً صبوراً فخوراً. لا يبالي حتى بالموت لعلمه بالسعادة التي يستقبلها". حينما يكون الدين عقلا وتعقلا وحرية وتحرّرا؛ من كل إذعان أو خوف أو أوهام؛ منعتقا من كل سلطة أو تسلط أو سلطان غير سلطان الله؛ فيكون ذلك طريقا للترقي الناهض لا الإنحطاط المتسفل، فتكون حركة الترقي تدافعا في مواجهة الانحطاط ضمن عمليات ابتلاء قائمة ومستمرة ابتلاء بالشر والخير؛ والإستبداد المشؤوم هو القابض الضاغط المفضي إلى دركات متوالية من الانحطاط والتدهور لا ينتج إلا أسرى للاستبداد؛ مجتمعا من مساكين الاستبداد من المبتلين به، وهم أحق بوصف المساكين من عجزة الفقراء؛ إنها المسكنة الحقيقية "وتوصف حركة الترقّي والانحطاط في الشؤون الحيوية للإنسان؛ أنها من نوع الحركة الدودية، التي تحصل بالإندفاع والانقباض، وذلك أنَّ الإنسان يولد وهو أعجز حراكاً وإدراكاً من كلِّ حيوان، ثمَّ يأخذ في السير، تدفعه الرغائب النفسية والعقلية، وتقبضه الموانع الطبيعية والمزاحمة. وهذا سرُّ أن الإنسان ينتابه الخير والشر. وهو سرُّ ما ورد في القرآن الكريم من ابتلاء الله الناس بالخير والشر،.. وهو المراد من أقوال الحكماء نحو: على قدر النّعمة تكون النقمة، على قدر الهمم تأتي العزائم، بين السعادة والشقاء حربٌ سِجال، العاقل من يستفيد من مصيبته، والكيِّس من يستفيد من مصيبته ومصيبة غيره، والحكيم من يبتهج بالمصائب ليقطف منها الفوائد، ما كان في الحياة لذّة لو لم يتخللها آلام. فإذا تقرّر هذا فليعلم أيضاً أنَّ سبيل الإنسان هو الرقي، ما دام جناحا الاندفاع والانقباض فيه متوازيين، كتوازن الإيجابية والسلبية في الكهربائية، وسبيله القهقري إن غلبته الطبيعة أو المزاحمة..، والاستبداد المشؤوم الذي نبحث فيه هو قابض ضاغط مسكن، والمبتلون به هم المساكين. نعم: أسراء الاستبداد أحقُّ بوصف المساكين من عجزة الفقراء".

ما يجب عمله من النخبة الناهضة بالرقي وأخلاقه والترقّي ونشاطه يتعلق بتحرير العقول من الأوهام والمخاوف

وفي إشارة عبقرية ضمن محاكاة لقول الرسول عليه الصلاة والسلام في إعادة تعريف المفلس أنه ليس المعنى المتبادر إلى الذهن من أنه الذي لا يملك درهما أو دينارا، بل مفلس الأخلاق في التعامل مع عموم الناس؛ فها هو الكواكبي ينصح الفقهاء للخروج من اختلافاتهم في تعريف المساكين، مقترحا أن المساكين الحق هم "مساكين الإستبداد حتى لو كانوا أغنياء، ولو أن هؤلاء الفقهاء أنصفوا لجعلوهم أحق بالصدقات لفك الرقاب إنهم بحق عبيد الاستبداد؛ إنه الرق الأكبر لأسراء الإستبداد الذين تخلقوا بأخلاق الإستبداد والانحطاط ؛ وأنهم لا يستحقون إلا الرأفة بهم ولسان الإرشاد لهم لو كانوا يعقلون أو يفقهون "ولو ملك الفقهاء حرية النظر لخرجوا من الاختلاف في تعريف المساكين الذين جعل لهم الله نصيباً من الزكاة، فقالوا: هم عبيد الإستبداد، ولجعلوا كفَّارات فكِّ الرقاب تشمل هذا الرقّ الأكبر. أُسراء الإستبداد حتى الأغنياء منهم كلُّهم مساكين لا حراك فيهم، يعيشون منحطّين في الإدراك، منحطِّين في الإحساس، منحطّين في الأخلاق. وما أظلم توجيه اللوم عليهم بغير لسان الرأفة والإرشاد، وقد أبدع من شبَّه حالتهم بدودٍ تحت صخرة، فما أليق باللائمين أن يكونوا مشفقين يسعون في رفع الصخرة ولو حتّاً بالأظافر ذرَّةً بعد ذرّة".

أُسراء الاستبداد حتى الأغنياء منهم كلُّهم مساكين لا حراك فيهم، يعيشون منحطّين في الإدراك، منحطِّين في الإحساس، منحطّين في الأخلاق

ما يجب عمله من النخبة الناهضة بالرقي وأخلاقه والترقّي ونشاطه يتعلق بتحرير العقول من الأوهام والمخاوف؛ فهم أطباء الأمة في معالجة أمراض الأمة وإرشادها بما يتناسب من حالة غفلتها وتمكّنها خفة وقوة؛ فلم يكن باب الترقّي الذي عالجه الكواكبي إلا تمهيدا مناسبا لما سيطرحه (الكواكبي) من خطة واستراتيجية للتخلص من أمراض الاستبداد المتسببة في كل ألوان الإنحطاط وأشكاله. "أنَّ أهم ما يجب عمله على الآخذين بيد الأمَّة، الذين فيهم نسمة مروءة وشرار حمية، الذين يعرفون ما هي وظيفتهم بإزاء الإنسانية، الملتمسين لإخوانهم العافية، أن يسعوا في رفع الضغط عن العقول، لينطلق سبيلها في النموِّ فتمزِّق غيوم الأوهام التي تمطر المخاوف، شأن الطبيب في اعتنائه أولاً بقوة جسم المريض، وأن يكون الإرشاد متناسباً مع الغفلة خفَّةً وقوة".