عشيّة "8 ديسمبر" السوري
قال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، قبل شهور، إنهم (لعلّه يقصد هيئة تحرير الشام) فوجئوا بسقوط نظام الأسد في 14 يوماً، مدّة معركة ردع العدوان، ثم فوجئوا لمّا تسلّموا السلطة، بأنه صمَد 14 عاماً. والمقصد أن الحال العسكري للنظام، في خواتيمِه، كانت في أشدّ أوضاعه اهتراءً وانكشافاً، ولعلّ هذا ما ساعد على تخفّف الروس من إسعافِه، وقد أنفقوا كثيراً من الجهد (والعدوانية) في هذا سنوات. أما مؤسّسات الدولة وأجهزتها، في أعوام الثورة والحرب بعد مارس/ آذار 2011، فكانت على حالٍ من التجويف والتردّي يُفترض أنها لم تكُن لتجعلَه يقوى على الوقوف طويلاً أمام عواصف وضغوطٍ عسكريةٍ وثوريةٍ وإقليميةٍ بلا عدد. ولعلّ هذا التوصيف صحيح، لكنه لا ينسحبُ على المؤسّسة الأمنية البوليسية، سيّما إلى ما قبل نحو أربع سنوات من الانهيار التام. والقول هنا، ونحن في العيد الأول لتحرّر السوريين من نظام آل الأسد، إن تدويناً وافياً يُحيط بمسار عملية ردع العدوان، ميدانيّاً وسياسيّاً، بوقائعها وتفاصيلها، لم يكتمل بعد، فالإشارات والإيضاحات الموجزة التي "كشف" عنها الرئيس أحمد الشرع (والشيباني)، وضبّاطٌ ومشاركون في العملية وشهود، لا تكفي لإجمال صورةٍ كاملةٍ عمّ حدَث في الميدان في سورية عشيّة "8 ديسمبر". كما الأحاديث، الموثوقة، عن "اتصالاتٍ" جرت مع ضبّاطٍ وازنين في الجيش السوري، ومع مراتب روسيّة عليا، ميدانيةٍ وسياسية، ساعدت كثيراً على أن "تتأمّن" طريق هيئة تحرير الشام، ومن معها من فصائل محاربة، إلى دمشق من حمص وحلب باطمئنانٍ كثير، ومن دون دماء، فبدا أن "تسليماً" للعاصمة جرى.
وبانتظار أن تنكتب وتُروى كاملةً ووافيةً "سردية" النجاح السوري الهائل الذي أنهى طغيان عائلة الأسد، وجعل بقايا هذه العائلة تفرّ إلى موسكو وغيرها، يجوزُ الانشغال بالمفاعيل التي جعلت هيئة تحرير الشام، وفصائل جهادية متحالفة معها، وليس غيرها، هي التي تتأهّل لتقود عملية إسقاط بشّار الأسد عسكرياً، وقد تأكّد، من دون حجاج أو جدال، أن هذا الرجل كان من عاشر المستحيلات أن يُطاح من دون جهدٍ عسكري، وأن أي رهانٍ على أي تحرّكٍ من أي لونٍ آخر لن يفلح في هذا. ولم يكن في محلّه ذلك الكلام (وقد تمنّاه صاحب هذه السطور) عن ضابطٍ في الجيش السوري يمكنه أن يفعلها، ويصنَع "انقلاباً انتقالياً"، كالذي بادر إليه عبد الرحمن سوار الذهب في السودان سنة 1985. سيُحيل هذا البديهي (؟) على ما هو موصولٌ به، أي على المفاعيل التي أخرجت الجيش السوري الحر وتشكيلاتٍ مثيلة (الجيش الوطني)، عن دائرة الفاعليّة التي تأخذُها إلى الإنجاز المُشتهى، أو أقله إلى المساهمة به، فكان قطفُ الانتصار لغير هؤلاء الذين كانوا قد سبقوا جبهة النصرة ونظائرَها في البناء العسكري، وفي تلقّي دعمٍ من غير بلد وبلد. وكأن قراراً ما، من نوعٍ ما، من جهاتٍ ما (والله أعلم) أراد إماتة هذه التشكيلات، أو إضعافها (لماذا ننسى الضبّاط حسين هرموش ورياض الأسعد وعبد الجبار العكيدي وزملاءهم؟).
ولا يُغفل، والسياق موصولٌ بعضُه ببعض، أن المعارضات السورية التي انضوت في المجلس الوطني ثم في "الائتلاف..."، وإن بقي غيرُها خارج هذين الإطارين، أكلها الضعف المؤسّسي، وقلة الخبرة في إدارة الخلافات، وتوزّع ارتباطات كثيرٍ منها بهذه الدولة أو تلك، وسرعان ما اهترأت تشكيلاتٍ لم تُؤخذ على محمل الجدّ في الداخل السوري. ولم تنجح جهودٌ طيبةٌ في إنقاذ ذلك الحال الذي كان يبعث على أسفٍ شديد، وقد توازى مع المؤشَّر إليه أعلاه عن ضعفٍ ثقيل كان يمتدّ في أجسام عسكرية غير جهادية، وعن قوةٍ تتغذّى بها تلك الفصائل التي استهدفتها الولايات المتحدة (وغيرها) بتسميتها إرهابية، والتي صارت لواحدةٍ من أبرزها سلطةُ حكمٍ في محافظة إدلب.
ليس التشخيص هنا كامل الأوصاف والدقّة، غير أنه يوجِز حافَاتِ مشهد الصراع الدامي الذي ختمت فصولَُه الصعبة بهجة السوريين الكبرى فجر يوم 8 ديسمبر، بانتصار هيئة تحرير الشام ومن معها، ولم يكن لغيرِها أن ينتصر... ثم يحكُم ويقرّر.