عشية رأس السنة

عشية رأس السنة

10 يناير 2022

(جاذبية سري)

+ الخط -

حالة من الذعر انتابت الصديقات والأصدقاء حين تنبهوا، على نحو مباغت، إلى أنّ الذكريات التي أخذوا يستعيدونها ضاحكين تعود إلى أكثر من 35 عاماً على أقل تقدير. حدث ذلك عشية رأس السنة، حين اتفقوا على اللقاء في منزل أحدهم ضمن أجواء عشاء بسيط هادئ، خالٍ من الموسيقى والضوضاء التي لم تعد تروق لهم كالسابق، بالأحرى لم يعد أيّ منهم قادراً على تحمّلها، وقد تجاوز معظمهم الستين من العمر. كانت لحظة إدراك جماعية صادمة حزينة، أعقبها صمتٌ كاد يودي بالسهرة إلى مزاج سوداوي، يتخلله أسىً على العمر الذي مضى سريعاً في غفلةٍ منهم. أحسّ بعضهم بالندم على تلبية الدعوة، موقناً أنّه ليس من الحكمة أن يبدأ عامه الجديد بصحبة رفاق الصبا، لأنّ في ذلك دليلاً دامغاً على بلوغ شيخوخةٍ لا ريب فيها. ظلّ أحدهم يشكو من زيادة الوزن، على الرغم من مواظبته على المشي يومياً، والتزامه بنظام غذائي صارم فرضه الطبيب، بسبب ارتفاع نسبة الكولسترول في دمه، بعدما كان مثالاً للرشاقة والوسامة.
قال ساخراً: لم يكتفِ الزمن بذلك الدمار الشامل، بل أجهز على ما تبقى من شعر على رأسي. حاولت من دون جدوى التحايل على تلك الحقيقة، علّها تجنّبني الاستماع إلى كلمة "عمّو" التي يصرّ الصغار على مخاطبتي بها من باب الاحترام... تحدث آخر مطولاً عن معاناته مع أسنانه المتساقطة تباعاً، ما دفعه إلى تركيب أسنان اصطناعية. وأيقنت صديقة أنّها بلغت من العمر عتيا، حين كرّرت المجموعة على مسامعها أكثر من مرة عبارة "ما شالله عليك... لسّه شباب" لأنّها تدرك أنّ عبارة كهذه لا تُقال لشابة في مقتبل العمر، بل لعجوزٍ ليست شمطاء بالضرورة (!). طرحت صديقة، تدّعي الحكمة أحياناً، فكرة استعادة قصص التعارف المبكرة لكلّ منهم مع البقية، مع ضرورة الاعتراف بالانطباع الأول مهما كان سلبياً. انخرطت المجموعة في سرد حكاياتٍ جميلة مضحكة، لم تخل من مصارحةٍ عن مفارقاتٍ والتباساتٍ أدت، بالنتيجة، إلى تشكل هذا النوع النادر من الصداقات المدهشة العابرة للأزمان، المتخطّية التحوّلات، المتجاوزة العقبات. وفي محاولةٍ لتصفية النفوس، والتخفّف من علائق كامنة، طرحتُ سؤالاً كان على الجميع الإجابة عنه: ما هو أكثر ما أثار حزنك في العام الماضي؟
تراوحت الإجابات بين فقدان أحبةٍ غيبهم الموت إلى حال الوطن العربي الباعث على البؤس إلى الفشل في تحقيق مشاريع إلى خيبة أمل ممن توسمنا فيهم الوفاء، إلى متاعب مهنية وقلق على الأولاد. عند اقتراب الساعة من الثانية عشرة، طرحت صديقة، متفائلة بطبعها، سؤالاً تحريضياً مغايراً، يتعلق بأحلامهم وتطلعاتهم في العام الجديد. التمعت العيون بالرجاء والأمل، رغم كلّ شيء. أجمع الحضور على الأمل بدوام الصحة وراحة البال. اتفقوا على رفض الطرفة الشهيرة عن كائناتٍ فضائيةٍ ترقب سكان كوكب الأرض باستغراب، وهم يحتفلون بدورانها دورة كاملة حول الشمس، لأنّ الأمر ليس بهذه البساطة، فحلول العام الجديد ينطوي على معنى أعمق بكثير، كونه يجدّد فينا طاقة الحب والأمل، ويحرّض فينا الفضول اتجاه القادم المجهول، ويمنحنا فرصة حقيقية للتأمل في ما مضى من حياتنا، ويتيح لنا فسحة فرح مسروقة، تتلاشى فيها المخاوف والأحزان برهة وجيزة، كي نتمسّك باللحظة الراهنة بكل جوارحنا، نعي فكرة الوجود بمعناها المباشر البسيط، ونحتفل بأنّ أصدقاء امتد بهم الزمن ردحاً طويلاً ما زالوا قادرين على إتقان الحب والاكتراث والمشاركة والبوح حول مأدبة صغيرة، في تأكيد على قوة الصداقة قيمة إنسانيةً سامية نتمسك بها في مواجهة الخراب، مهما أوغلنا في الكهولة!