عشر سنوات من الثورة: توظيف الدين

عشر سنوات من الثورة: توظيف الدين للقمع

18 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

بعد عشر سنوات على ظهور"البوعزيزية العربية"، يبدو معسكر الحكم الاستبدادي قد أعاد تمركزه في مواقع السلطة، باستثناء الحالة التونسية التي لا تزال تخوض"حروب الردّة" على الثورة، وتواجه رياحًا عاتية، اقتلعتها مرحليًا في مصر واليمن وليبيا وسورية.

هل يعني ذلك أن الربيع العربي صار مجرّد ذكرى ونوستالجيا إلى تلك الأيام التي كان فيها الشعب يريد ويفرض إرادته؟ لو نظرتَ إلى المجموعات والقوى الثورية، ربما تستشعر أجواء انهزام وطقوس حداد على الأحلام المكسورة، لكنك لو تأملتَ في حالة معسكر السلطات المستبدّة ستكتشف كم وكيف أن هذا الربيع حاضر بكل ديناميكيته إلى الحد الذي يصيب هؤلاء الطغاة بالرعب، ويجعلهم كمن به مسّ من الجنون، فيختبئون خلف نسخةٍ زائفةٍ من نصوص الدين وتعريفات الوطنية ومفاهيم النمو والتقدم.

عبد الفتاح السيسي، مثلًا، وباعتباره رأس الحربة في فريق الاستبداد العربي الذي شن حربًا هي الأعنف والأكثر انحطاطًا ونذالة على جماهير الثورات، لا يفوّت مناسبة إلا ويتلو فيها بعضًا من نصوص سفر الدجل والشعوذة الوطنية، مرددًا خطابه المرتعش عن "اللي حصل في 2011" ويعني به الثورة التي حملتها الرياح القادمة من تونس، لتقتلع حسني مبارك، كما اقتلعت بن علي هناك.

ما يفعله السيسي، وزملاؤه في عصابات قتل الثورات، لا يختلف عما لجأ إليه مبارك وبن علي والقذافي قبل السقوط، حيث بنى كل هؤلاء استراتيجياتهم على ما يمكن وصفه بأنه نوع من"الوثنية الدينوطنية"، وتعتمد على استعمال خطاب ديني فاسد، يذهب إلى تكفير الحراك الثوري، بالتوازي مع خطابٍ وطنيٍّ أكثر فسادًا يعتمد آلية تخوين المطالبين بالتغيير.

أذكر أنه قبل اندلاع موجة الثورة المصرية بأسبوع، وبينما كانت الموجة التونسية قد بلغت هدفها، كان السلاح الأول الذي استخدمه نظام مبارك هو الخطاب الديني المضادّ للثورة، انطلاقًا من تكفير الشاب التونسي محمد بوعزيزي الذي أشعل الثورة بإشعال النار في نفسه. وكما قلت وقتها، ارتدى كتّاب الحكومة زى الوعّاظ، وأطلقوا لحاهم، وتحوّلوا إلى مفتين يحرّمون الانتحار وقتل النفس التى حرّم الله قتلها، وأفردوا الصفحات الأولى لرجال الدين، مسلمين ومسيحيين، للحديث عن حرمة الانتحار والنهى عنه في كل الأديان السماوية.

وهذه طريقة قديمة وتقليدية للغاية فى توظيف الدين لمحاصرة أي ظاهرة سياسية أو اجتماعية تؤرّق السلطة وتزعجها، وكأن إقدام مواطنين من مختلف الأعمار على الانتحار قضية دينية فقط، مقطوعة الصلة بعديد من المشكلات والمساخر السياسية والاقتصادية التى أوجدتها سياسات حكومية مختلّة وفاسدة.

يريدون أن ينشغل الجميع بالنصوص الدينية والفتاوى والأحكام، بحيث ينصرف المجتمع كله إلى مناقشة حكم الدين فى المنتحر، من دون التطرّق، من قريب أو بعيد، إلى الأسباب التي تدفع المواطنين إلى الانتحار على الطريقة البوعزيزية التونسية التي أشعلت ثورةً غير مسبوقة في بلدٍ كان خارج التوقعات الثورية تماما.

تساءلتُ وقتها: ولماذا لا يسمحون باستدعاء الدين ليقول كلمته فى عصابات الاحتكار السياسي والاقتصادي، ليفتونا فيمن يحتكر السلطة ويحتكر الحديد ويحتكر الماء والهواء؟

لقد وظفوا الدين عنوةً لتبرير التصالح الآثم مع العدو الصهيونى، واختاروا آياتٍ نزعوها من سياقها لتبرير ذلك، فيما استبعدوا الآيات التي تجعل الجهاد ضد العدو المحتل الغاصب فرضا على الجميع، وتضع التبادل التجاري والتنسيق السياسي وتبادل الأحضان والقبلات مع المعتدين في مرتبة الجرائم والخطايا الأخلاقية والدينية.

في زمن عبد الفتاح السيسي الذي برّر إرهابه وجرائمه بإنقاذ مصر من التحوّل إلى دولةٍ دينية، وإقامة دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطية، تجد استخدامًا مفرطًا للدين، وبالأحرى لتفسيراتٍ فاسدة للدين، لمواجهة كل أشكال المعارضة والاحتجاج والمطالبة بالحقوق، حيث لا تتوقف مدافع الخطاب الديني الخادم للسلطة عن قصف الجماهير كل يوم بكل أنواع الفتاوى الفاسدة التي تمجّد التطبيع وتقدّس الطغيان وتؤلّه الطغاة، وترمي المعارضين بالكفر والزندقة.