عشر سنوات بحثاً عن خلاص السوريين

16 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

أسئلة كثيرة تتبادر إلى أذهان غالبية السوريين مع مرور عشر سنوات على الثورة السورية، التي انطلقت في منتصف مارس/ آذار 2011، تطاول المدى الذي يمكن أن تمتد إليه الأوضاع الكارثية في سورية، وممكنات الوصول إلى نهاياتٍ قريبةٍ للمآسي والمصائب التي ألمّت بالسوريين، بسبب النهج الدامي الذي اتبعه نظام الأسد في تعامله الوحشي مع الثورة وحاضنتها الاجتماعية منذ البداية، وأسهم في تحويل بلدهم إلى مسرحٍ لصراع إقليمي ودولي، تستعر فيه حروبٌ متعدّدة الأطراف الإقليمية والدولية، وأخرى بالوكالات على مناطق النفوذ والسيطرة، وسوى ذلك.
ولا يجد سؤال الخلاص من نظام الاستبداد الأسدي لدى السوريين الذين خرجوا في ثورتهم من أجله سوى غصّات ثقيلة تطبق على قلوبهم، في ظل بقاء نظام الأسد جاثماً على صدورهم، وغياب أي جهودٍ دوليةٍ من أجل إيجاد حلّ سياسي ينهي معاناتهم، واستمرار صراع تخوضُه خمس قوى دولية في بلادهم وعليها، سواء عبر تدخلها العسكري المباشر أم عبر وكلاء محليين وإقليميين، تنفيذاً لأجنداتها ومصالحها الخاصة والمختلفة.

جاء تدخل النظام الروسي العسكري المباشر إلى جانب نظام الأسد، ليُحدث تحوّلاً كبيراً في ميزان القوى لصالح النظام، ويعيد تثبيته

وتعيد ذكرى مرور عشر سنوات على انطلاقة الثورة السورية إلى الأذهان تلك المظاهرات والوقفات الاحتجاجية السلمية، التي انطلقت في بداياتها، بعد أن خطّ تلاميذ إحدى مدارس مدينة درعا على جدار مدرستهم عبارة "إجاك الدور يا دكتور"، وخروج سوريين كثر إلى الساحات والشوارع كاسرين حاجز الخوف الذي بناء النظام الأسدي في نسختيه، الأب والابن، ومتحدّين بأجسادهم العارية رصاص عناصر استخبارات النظام وسكاكين شبّيحته وسيوفهم. في ذلك الوقت، اكتشف السوري المقموع صوته وجسده، ولسان حالة يقول: "أنا إنسان.. ماني حيوان"، وراح يعبّر عن ذاته في تظاهراتٍ وتجمعاتٍ احتجاجية، غير مكترثٍ بالثمن الذي يدفعه، نتيجة خروجه من القوقعة التي حبسته فيها أجهزة النظام مدة تزيد عن أربعة عقود.
وارتبطت على مدى أشهر عديدة من بداية الثورة شخصية المحتج السوري ببطولة مفهومية في مشهدية حدث الثورة، جسّدته جموع المتظاهرين السلميين في شوارع وساحات مختلف المدن والبلدات والقرى السورية، جنوباً وشمالاً، وشرقاً وغرباً. لكن ذلك كله تحطم، بعد أن تخلى عنهم المجتمع الدولي، وخصوصاً قواه الحيّة عن السوريين، وتركتهم يواجهون كل أنواع القتل، مكتفية بالوقوف متفرّجة على مشهديات تحولهم إلى ضحايا قمع نظام الأسد العنيف والوحشي الذي استقدم مليشيات نظام الملالي الإيراني الطائفية متعدّدة الجنسيات للدفاع عنه. ثم جاء تدخل النظام الروسي العسكري المباشر إلى جانبه، ليُحدث تحوّلاً كبيراً في ميزان القوى لصالح النظام، ويعيد تثبيته.

القوى الدولية الفاعلة لم تكترث لمصاب السوريين خلال السنوات العشر الماضية، لا على المستوى الأخلاقي، ولا على المستويين، الإنساني والحقوقي

وعلى الرغم من انقضاء عشر سنوات على انطلاقة الثورة، لا يزال خلاص السوريين بعيداً، ذلك أن كل محاولات الحل السياسي باءت بالفشل، سواء في جنيف أو أستانة أو سوتشي وسواها، بسبب عدم جدّية المجتمع الدولي في إيجاد حل سياسي، وعراقيل نظام الأسد وحلفائه في النظامين الروسي والإيراني وألاعيبهم، إذ حتى اللجنة الدستورية، التي حظيت بموافقة المجتمع الدولي ودعمه، وكانت بمثابة تغطيةٍ لعجزه حيال تنفيذ القرارات الأممية المتعلقة بالقضية السورية، لم تثمر جولاتها الخمس سوى الفشل والخيبة. ومع ذلك، لم يجد المبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسون، سوى الإعلان عن خيبة أمله من تعثر عمل اللجنة، لكنه لم يجرؤ على تحميل النظام مسؤولية إفشال أعمالها، وترك الباب مفتوحاً لمزيد من التوسّل والبهلوانيات الدبلوماسية، من دون أن يقدّم أي مقترح لتفعيل عملها سوى التعويل مجدّداً على زياراته إلى كل من موسكو ودمشق وطهران وسواها، ليبقى الباب موصداً حيال أي مسعىً إلى إيجاد حلّ سياسي في سورية، الأمر الذي يظهر، مرة أخرى، إفلاس هيئات الأمم المتحدة ومبعوثيها الخاصين إلى سورية، وعجزهم حتى عن مجرّد إلقاء اللوم على نظام الأسد أو تحميله مسؤولية إفشال مساعيها.
والمفارق في الأمر أن القوى الدولية الفاعلة لم تكترث لمصاب السوريين خلال السنوات العشر الماضية، لا على المستوى الأخلاقي، ولا على المستويين، الإنساني والحقوقي، إذ كل ما قيل وكُتب عن القيم والمبادئ العالمية، عن حقوق الإنسان والحرية والعدالة ونصرة الضحايا وسواها، كان من باب المبالغة في كونيتها، بينما أثبت التعامل مع الثورة السورية أن تلك القيم والمبادئ محدودة ونسبية، وتخضع لتوظيفات (وإرادات) القوى المهيمنة والمسيطرة، التي لم تتحرّك لمنع نظام الأسد من قتل المحتجين السلميين أو المدنيين العزّل، أو ردعه عن استخدم كل أنواع الأسلحة الفتاكة، وحتى المحرّمة دولياً، بما فيها السلاح الكيميائي الذي استخدمه النظام ضد المدنيين العزّل في غوطة دمشق الشرقية في أغسطس/ آب 2013، على الرغم من أن استخدامه كان يمثل خطّاً أحمر، وضعه الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، بنفسه، ثم ابتلعه في صفقة مشبوهة مع النظام الروسي في مقابل تسليم النظام محزونه من المواد الكيميائية، فيما لا يزال من ارتكب جريمة الهجوم الكيميائي حرّاً طليقاً. كما لم يعاقب أحد في النظام الدولي نظام الأسد على جرائمه العديدة الموثقة في تقارير المنظمات والبعثات الأممية، بل ولم ينزع أحدٌ في المجتمع الدولي شرعية تمثيله سورية والسوريين، حيث بقي نظام الأسد يمثل سورية في المحافل والمنظمات الأممية.

تزداد معاناة السوريين في الداخل السوري، سواء في مناطق سلطة النظام أم في مناطق سلطات الأمر الواقع

ويبدو أن سؤال خلاص السوريين سيبقى ماثلاً، ما دامت فصول المأساة السورية قائمة وعميقة، ولا تلوح في الأفق ممكناتُ نهايةٍ قريبةٍ لها، ولا يوجد ما يشير إلى سير الأمور نحو الأفضل، بل تزداد معاناة السوريين في الداخل السوري، سواء في مناطق سلطة النظام أم في مناطق سلطات الأمر الواقع، وكذلك الأمر في بلدان المهجر والشتات، حيث يعاني أكثر من نصف الشعب السوري من تبعات التهجير والنزوح، فيما تزداد أهوال معاناة الناس في مناطق سيطرة النظام التي تفاقمت إلى درجةٍ بات فيها السوريون يمضون كل يوم ساعات عديدة في طوابير طويلة، من أجل الحصول على المواد الأساسية لمعيشتهم، كالخبز والغاز والمازوت، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتدهور سعر صرف الليرة، فضلاً عن تفشّي البطالة وانتشار الجريمة وانعدام الأمن والأمان وسوى ذلك. وبالتالي، لا يزال خلاص السوريين يمرّ في مخاض مرير وطويل.