عز الدين المناصرة .. جزائرياً

عز الدين المناصرة .. جزائرياً

06 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

تعدّدت في حياة الشاعر الفلسطيني، الراحل أول من أمس بعد إصابته بالفيروس التاجي عن 74 عاما، عز الدين المناصرة، محطات تجربته الثقافية، والتي بدأت مبكّرة منذ كان طالبا جامعيا في القاهرة في ستينيات القرن الماضي، إبّان بداياته الشعرية، وكتاباته الأولى، ثم أخذت تنضج في غضون عمله أولا في الإذاعة الأردنية في عمّان، وتاليا في مؤسسات ومنابر ودوريات ثقافية وإعلامية في منظمة التحرير الفلسطينية، وقد التحق في العمل المسلح مدة قصيرة، وأنتج في تلك الغضون البيروتية قصائد رفيعة، قبل أن ينعطف إلى التعليم الجامعي والإنتاج الأكاديمي، بالتوازي دائما مع كتابته الشعر، وذلك بعد نيله الدكتوراه في الأدب من جامعة صوفيا في العام 1981، لتتيح له في 1983 العبور إلى العمل أستاذا جامعيا في الجزائر حتى 1990، حيث أصبح من النقاد والباحثين العرب المشتغلين في الأدب المقارن، وقدّم فيه اجتهاداتٍ شارك بها في مساجلات مع زملائه من الأكاديميين والمختصين في هذا الحقل. وقد واصل التدريس الجامعي في الأردن، ويتذكّره طلابه العديدون في البلدين بكثير من التقدير.

أمران يمكن التأشير إليهما في محطة عز الدين المناصرة الجزائرية، لمّا عمل أستاذا للأدب المقارن في جامعة قسنطينة، وتاليا في جامعة تلمسان. أولهما أنه أحب الجزائر، فحضرت مدن وفضاءات عديدة منها في قصائد عديدة له. وإذا كان شاعرنا من أبرز الأصوات الفلسطينية التي انشغلت بالمكان، الفلسطيني خصوصا، فإن هذا الحضور الجزائري في بعض شعره بدا ظاهرة، فثمّة تلمسان وسكيكدة وجيجل وغيرها، فضلا عن قسنطينة التي أقام فيها، وكتب عنها "مدينة تدور حول نفسها"، في تعبير يدل على طبيعة المدينة التي حدث أن زارها صاحب هذه الكلمات، واستشعر شيئا من هذا فيها. وإلى ذلك، انجذب صديقنا الراحل إلى القصة الشعبية الجزائرية "حيزية"، الشابة البدوية التي تولهت في الصحراء بحبيبها، وتزوجته بعد أن استسلم أهلوها لرغبتها بعد تمنّع كثير، وهو ابن عمها، لتموت تاليا مريضة. وقد خلّد الحكاية (بتفاصيل أخرى) في القرن التاسع عشر الشاعر الشعبي، محمد بن قيطون، في قصيدة طويلة شهيرة، ثم استوحى منها أدباء عديدون محكيات ومرويات ونصوصا وفيرة. وإذا كانت الجزائر وثورتها العظيمة، وجبالها (الأوراس) وثراء أجوائها قد ألهمت شعراء عربا غير قليلين، سليمان العيسى وأحمد عبد المعطي حجازي مثلا، فإن عز الدين المناصرة ربما يكون وحده الشاعر العربي الذي خصّ حيزية بقصيدة طويلة نشرها في 1986، ثم سمّى ديوانه الثامن (من بين 12 ديوانا) الصادر في 1990 "حيزية من رذاذ الواحات"، وأعاد فيه صياغة الحكاية التقليدية، فجعل حيزية لم تعشق أحدا، ومنحها المكان كله، وبثّ في النص من جوانياته الخاصة، ما أعطى اسم تلك العاشقة أبعادا أعرض، وجعل القصيدة معارَضةً لمحكية بن قيطون الشعرية.
ثاني الأمريْن في المحطة الجزائرية لصاحب "قمر جرش كان حزينا" أنه كاد يتم إبعاده من البلاد، بعد فصله من جامعة قسنطينة، بتحريضٍ من أصوليين جزائريين، سمّاهم مرة بأنهم "أفغان جزائريون"، وذلك بدعوى أنه يساري (وكنعاني كما نعتوه!)، وساهمت تدخلات مسؤولين كبار في الدولة، عارضوا إبعاده من الجزائر، في انتقاله إلى جامعة تلمسان، وذلك في العام 1987، ليساهم في تأسيس قسم الأدب المقارن فيها، ويزاول فيها تدريس مناهج النقد الأدبي، ويحتك بطلاب جدد أفادوا منه. وسنوات بعد مغادرته الجزائر، يزورها في العام 2004، ونظمت له أمسيات شعرية، وحضر مناقشة رسالة جامعية في شعره.

كان عز الدين المناصرة نشطا في التأليف في النقد والدرس الأدبي، وأيضا في تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني، وفي السينما الإسرائيلية. وظل صاحب عقل نقدي جدالي في قضايا الأدب والشعر والفنون، غير أنه، وهو المناضل العتيق، لمّا صارت ثورات الربيع العربي اختلّت بوصلته، ووقف في ضفةٍ أخرى، غير التي وقف فيها الشعب السوري وشعوب عربية أخرى، من دون مواظبةٍ على الجهر بهذا.. بعد لقاءٍ في فاس ربيع 1990، وكان قادما من الجزائر، تعدّدت لقاءاتي الكثيرة معه، في عمّان، وظل صديقا دافئا حانيا، رحمه الله.