عريس بيت جن
حسين السعدي ... سقط شهيدا في دفاعه عن بلدته بيت جن في يوم عرسه (وسائل التواصل)
في بلدة بيت جن، الواقعة على تخوم مدينة القنيطرة، حيث تقاطعت الجغرافيا السورية لحظةً مع ذاكرة شعب قاوم الاستعمار ومحاولات التجزئة، سقط حسن السعدي شهيداً في اليوم نفسه الذي كان يُفترض أن يُزفَّ فيه عريساً. لم يكن في ساحة خلاف سياسي، ولا ضمن حشد تعبوي طائفي كالحشود المتناثرة اليوم كالفطر السامّ. كان فقط، وببراءة، واحداً من أبناء المكان الذين تحكمهم غريزةُ حبِّ البيت والحفاظ عليه قبل أيّ خطاب آخر.
ما حدث في بيت جن لا يكشف فقط عنف دولة الاحتلال وتوحّشها والإبادة، فهذا لم نعد نناقشه وندهش له، بقدر ما يبيّن لنا ما هو أعمق: أن المجتمع، مهما بدا مفكّكاً ومنهكاً بانقساماته الداخلية، يحتفظ في طبقات تكوينه بقوة خام تظهر حين تقترب النار من العتبة. واستشهاد حسن ورفاقه ذلك اليوم ليس روايةً عن بطولة فردية بقدر ما هو اختبار لنظرية اجتماعية مهملة: أن الفعل البطولي يولد من بنية المجتمع قبل أن يولد من وعيه السياسي، وأن اللحظة الخاصة، لحظة عريس يرتّب يومه الأخير، يمكن أن تتحوّل رمزاً عامّاً حين يضع حياته في المكان الذي يرى أنه ينتمي إليه.
توجد هنا طبقة أعمق من الهُويَّة لا تصنعها السلطة أو المعارضة، ولا يمكن للطوائف ولا للقبائل احتكارها. إنها القدرة الغامضة للمجتمع على استعادة ذاته، على تذكِّر ما يجمعه حتى في أشدِّ لحظات الانقسام. لم تكن المقاومة هنا مجرّد تضحية من بضعة شباب، بقدر ما كانت علامةً على أن البنية الاجتماعية، بكل ما فيها من إرهاق وندوب وجروح لم تعد خفيّةً، ما زالت قادرةً على إنتاج معنىً مشتركٍ يُلغي في لحظةٍ الحدود الداخلية كلّها. الخطر الخارجي لا يجمع السوريين بالشعارات، وإنما عبر كشفه حقيقةً صامتةً: أنّ الانقسام حالة سطحية، بينما الانتماء إلى المكان متجذّر في العمق. وفي اللحظة التي تصبح فيها الأرض معيار الحياة والموت، يكتشف السوريون، من دون أن يقصدوا، أن ما يربطهم أعمق بما لا يُقاس ممّا فرّقهم.
يبقى السؤال: هل استطاعت لحظة الشهادة حقّاً توحيد السوريين وتجاوز لحظة الانقسام؟ الجواب: لا، لكن بالتأكيد، عدم قدرة العدو الخارجي اليوم على توحيد السوريين لا يُحمِّل المجتمع وزر العجز، بقدر ما يكشف طبيعة المرحلة التي يعيشها. فالمجتمع السوري اليوم لا يرفض الوحدة في أعماقه، لكنّه لم يعد يمتلك لغةً مشتركةً يفهم بها الخطر نفسه؛ لأنّ كل طرف يرى التهديد من زاوية تجربته الخاصة، ومن جرحه، ومن ذاكرته السياسية.
ليس الانقسام هنا دليلاً على موت الحسّ الوطني، بقدر ما يدل على أنّ الوجدان الجماعي تعرّض لصدمة طويلة عطّلت آليات الاستجابة المشتركة. يحتاج المجتمع إلى وقتٍ ليستعيد القدرة على قراءة الخطر بعيون واحدة، كما يحتاج إلى حدثٍ يؤسِّس لمعنى جديد للوطنية خارج إطار السلطة والمعارضة، وخارج الأطر الطائفية والعرقية كلّها. وفق هذا التأويل، يمكن القول إن المجتمع السوري لم يتحّد بالكامل لأن الخطر الخارجي وحده لا يكفي. يحتاج الناس إلى حكاية رمزية تعيد لهم القدرة على رؤية بعضهم في المرآة نفسها. واستشهاد العريس، بما يحمله من دلالة على تضحية غير مؤدلجة وغير منتمية لأيّ جهة، يشكّل أساساً لهذه الحكاية: هي لحظة يموت فيها شخص من أجل "المكان نفسه" الذي يخصّ الجميع، لا من أجل سردية جهة بعينها.
بهذه القراءة، يصبح التشظّي الراهن مرحلةً انتقاليةً تعيد خلالها الجماعات الصغيرة تعريف علاقتها ببعضها وبالأرض. وما فعله هؤلاء الشباب، ومن بينهم الشهيد يوم عرسه، في منطقه الرمزي، يقدّم للسوريين مقدّمةً جديدةً للعقد الاجتماعي تنطلق من حقيقة بسيطة وبدائية: أنّ حياة الفرد لا تنفصل عن حياة الجماعة، وأنّ الموت الذي يجمع قد يكون أصدق من الحياة التي تفرّق. ومن هنا يمكن الادّعاء أن رحلة العودة إلى ثقافة التعايش تحتاج إلى أن تبدأ من هذه الرموز الصغيرة، لا من مشاريع الوحدة الكبرى، وأنّ استشهاد هؤلاء الشباب ليس حدثاً عابراً، بقدر ما كان إشارة أولى إلى أن المجتمع، رغم انهياره الظاهر، ما زال يعرف الطريق إلى نفسه.