عبد الله النفيسي ورحلة الصندوق الأسود

29 ديسمبر 2020
الصورة

عبد الله النفيسي .. تجربة ثرية في شهادة حية

+ الخط -

خلال فترة وجيزة، قفز برنامج الصندوق الأسود، لصحيفة القبس الكويتية، على "يوتيوب" إلى مصاف البرامج المتابعة ذات الجماهيرية، وحقق حضوراً واسعاً، وجدلاً في الساحة الوطنية للكويت والخليج العربي والوطن العربي. وبالطبع كان ذلك مرتبطاً بضيفه البارز المفكر السياسي عبد الله النفيسي. وفي آخر حلقات البرنامج، أشار المقدّم المميز عمّار تَقي، الذي حقق نجاحاً لافتاً بمهنيته، وحرصه على دقة المعلومة وأدبه في اللقاء، إلى ختم الرحلة الثرية. وكانت هذه الإشارة أن البرنامج سيتجاوز مرحلة مهمّة، من 2001 حتى ميلاد الربيع العربي 2010، وبالطبع، هناك ملفات عديدة تجربة النفيسي فيها مهمّة للغاية، كشهادة أو كردّ على منتقديه، ولربما حرص النفيسي على الاحتفاظ بعرض هذه المرحلة، في تدوين إضافي لرحلة مذكّراته، أو تأخير الحديث التلفزيوني عنها إلى وقت مقبل، فهناك مساحة زمنية أيضاً، مليئة بالأحداث في عهد الثورة المضادّة، والسقوط السياسي والحقوقي والمدني الضخم للوطن العربي.
وحين أصّر عمّار على ذكر بعض الأسماء بعد مساجلة، مع ضيفه، قال له النفيسي، بنبرة عفوية منفعلة: عمّار نحن لسنا في نيويورك! كانت هذه إشارة مهمة من النفيسي إلى أن السجل الذي يعرض في التلفزيونات العربية، وحتى إن كان بعد مدة، لا يُضمن أن يُستخدم للإضرار بمن تُذكر أسماؤهم، وهي حقيقةٌ مشهودةٌ ومؤلمة، وإن كان الوضع الكويتي، والهامش الديمقراطي، وروح تواصل النشطاء مع الأسرة الحاكمة، على الرغم من حدّية الصراع في مواسم كثيرة، أفضل بكثير من دول عربية خليجية وغير خليجية.
ولا يشك أحد أن شخصية عبد الله النفيسي وتجربته الثرية بوابة كبيرة لفهم حركة الأحداث السياسية التي راقبها، أو شاركها بنفسه، والتقييم النقدي متعدّد الاتجاهات من بعض المخالفين لرؤى أبو المهند، يدور بعضها حول حتميات يُقرّرها، وأيضاً ما قد يفهم بأنه استعلاء خلال عرض فكرته، وما يمكن أن يُسجّل من ازدواجية بعض مواقفه، والتنقل ما بين الخطاب العاطفي أو البراغماتية العقلانية السياسية التي تتراوح عبرها مواقف النفيسي وتحليلاته. وذلك كله لا يقلل من رمزية النفيسي ودوره الحيوي، وبالذات اختطاطه المستمر لمواقفه وأبحاثه ومؤلفاته السياسية، والتي تقوم دوماً على روحٍ مستقلة، لا يُبالي فيها، باختلافه عن التيارات أو الحكومات، لكنه يترك الحبل قائماً، خصوصاً في طبيعة العلاقة مع الدول المشتبكة مع اهتماماته الفكرية والسياسية، على المستويات، الخليجية الاستراتيجية والعربية والدولية. وهذه العقلانية بالذات واستقلال شخصيته، قَدّمت للفكر الإسلامي المعاصر، وللثقافة السياسية، نظرات تقييم غنية، تحتاجها الشعوب، وإنْ بقيت مساحة نقد مشروعة لاختلاف تقديرات المراقبين مع عبد الله النفيسي.

شخصية عبد الله النفيسي وتجربته الثرية بوابة كبيرة لفهم حركة الأحداث السياسية التي راقبها، أو شاركها بنفسه 

ولقد مثّل ملف الحركة الإسلامية، وسقوطها السياسي والأمني بحسب رؤية النفيسي، أحد أهم الملفات، في "الصندوق الأسود" الذي استوعب ثلاث حلقات، لا يُمكن لنا اليوم أن نُجملها، سواء على الصعيد الكويتي أو الصعيد الدولي، ولكن بقيت علاقة عبد الله النفيسي، وخصوصا مع القاعدة الشعبية للإسلاميين قوية، على الرغم من هذا النقد المنهجي القوي، وبعض التعميمات الصعبة. وبالذات في قضية الاختراق الأمني أو السياسي، الذي أصرّ عليه النفيسي، وألحق به كارثة مآل الثورة السورية، من خلال توظيف الجماعات الدينية في الثورة، أو من خلال فكرة التوظيف السياسي لنماذج عديدة، وهو لا يخصّ الإسلاميين في الحقيقة، فبقية التيارات تم توظيفها أيضاً، ولكن مسألة استخدام فكرة الدفاع عن الدين، لمواجهة المطالب الإصلاحية السياسية والمدنية قديمة، منذ تأسيس الدولة القُطرية العربية.

وقد كان نصيب الإسلاميين في الكويت حاضراً، سواء بيت الإخوان المسلمين الذي ارتبط به أبو المهند سياسياً، لا تنظيمياً، أو ردّه على الحركة السلفية التراثية، من خلال القيادي فيها والنائب البرلماني والوزير السابق أحمد باقر، وإن كان النفيسي ركّز أكثر على أزمة التنظيم الدولي، والجماعة المصرية التي ردت عليه منذ صدور أطروحاته المتعدّدة، وهو ملفٌّ يحتاج القارئ أن يعود له مباشرة لكي يستمع لرؤية النفيسي التي شاركه فيها إصلاحيون إسلاميون عديدون، من قيادة الإخوان السابقة والمستقلين.
ولكن الختام المثير عاد عبره عبد الله النفيسي إلى أوقات صعبة، في المواجهة مع أطرافٍ من الأسرة الحاكمة، عند حل مجلس الأمة وأيضاً بعد حرب الكويت، في مفصليْن مهميْن، هما روح الرفض لبعض هذه الأطراف في الحكم، لاستئناف الحياة الدستورية، وتفعيل أقرب لنصوص الدستور، والمفهوم الديمقراطي الذي بناه الشعب الكويتي في شراكةٍ شعبيةٍ تأسيسية مع آل الصباح. أسقطت فيه البحرين نموذجها في السبعينات، وصمدت الكويت، ولكن تحت تدافع صعب، وتهميش ممنهج للسلطة نالت من أدوات المراقبة والتشريع الذي فاقم الفساد ومشكلات الكويت السياسية، وخصوصا دورات المواجهة مع مجلس الأمة، والانقسام الذي وقع بسبب ضغط الحكم، لتحجيم هذه المساحة البرلمانية، وتبعاً لها مساحة النقد السياسي الحر.

السجل الذي يعرض في التلفزيونات العربية، وحتى إن كان بعد مدة، لا يُضمن أن يُستخدم للإضرار بمن تُذكر أسماؤهم

وأهمية هذا الحديث اليوم أنه يعود في ظل مأزق جديد، بعد انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، ما يهم فيه أن الضغط الخليجي الأمني الخطير على الكويت عزّز مواجهة صلاحية المجلس المنتخب، وبالذات رد الاعتبار لقادة العمل الإصلاحي المهجّرين، بقيادة مسلم البراك، وآخرين من دورات مختلفة، في الأحكام الصادرة ضدهم، وجاء بث هذه الشهادة في ظل هذه التساؤلات. وعلى الرغم من سقف الحرية الكويتي المعروف، إلا أن من غير المحتمل بث المادة من دون إذن من طرف حكومي. ولذلك السؤال الكبير بعد مراجعة شهادة النفيسي، واستعراض واقع الأزمة الممتد إلى اليوم، هو هل هناك توجه تصحيحي ينتظره الشعب الكويتي، برفع الفيتو عن صلاحيات النواب والناشطين السياسيين وحركتهم، وفتح الباب لعودة النشطاء السابقين، أم أن الأمر سيعود إلى دورة احتواء جديدة، كانت من أبرز دوافع الإحباط للنفيسي منذ رأيه الآخر؟