عبد العزيز السريع كويتيّاً
عبد العزيز السريع (العربي الجديد)
لم نتلعثم، أول من أمس السبت، في نسبة عبد العزيز السريع في نبأ وفاته (عن 87 عاماً) كويتيّاً، وإنْ سحبوا منه جنسيّته الأسبوع الماضي. ذلك أنّ انضمام هذا الرجل إلى نحو 80 ألفاً جرى معهم هذا، بأسمائهم نفسها وبتبعيّة أولادٍ وأحفادٍ وزوجاتٍ لهم، في عامين، وبينهم متوفّون، لا يعني أن الرائد الكبير في المسرح الكويتي (والخليجي)، لن يبقى، في عُرفنا، كويتياً. ذلك أن فهمَنا، نحن المقيمين في غير ضفّة السلطات وحساباتها وأنظمتها وأمزجتها، لا يرى هذا المؤسّس والمعلم من دون كويتيّته، وهو الذي واصل، منذ نهاية الخمسينيّات إلى أن أقعده المرض أخيراً، حضوراً خاصّاً في الكويت التي نال جنسيّتها مبكّراً، في التأليف والنقد والتوثيق، وفي إبداع القصص والنصوص المسرحية، وفي التنشيط الثقافي في الدراما التلفزيونية وكتابة السيناريوهات، وفي رئاسة المؤسّسات واللجان والهيئات، وفي إسهامه، من قبلُ ومن بعد، في تأسيس أول فرقة مسرح للخليج العربي في 1963. وراجحٌ أنه صحيحٌ ما قيل إنّ "أبا منقذ" أسرع الموت إليه بعد شعوره بفداحة الخذلان وقسوة قرار تجريده وعموم أسرته من الجنسية. ومؤكّد أنه صحيحٌ قول رئيس مجلس الأمة (البرلمان)، المنحلّ، مرزوق الغانم، إنّ الراحل "قدّم للكويت عمرَه وفكره"، و"لم يكتب ليُصَفَّق له، بل كتبَ ليبني وعياً، ويصون هويةً، ويزرع قيماً".
أمّا وأنّ لموضوعة سحب الجنسية في الكويت من حاملين لها، مجنّسين بها منذ عقود، حساسيّتَه، وأنّ لقائلٍ أن يقول إنها شأنٌ سياديٌّ يخصّ السلطة وحدها، فقد يكون هذان الاعتباران صحيحَين، إلّا أنهما لا يمنعان "الحقّ" في استهجان الحملة الرسمية التي تمضي في تجريد هؤلاء من الجنسية، وإنْ في البال الأجواء التي واكبت صدور قانون الجنسية في البلاد في 1959، وما تبعه من تعديلاتٍ ومن مداولاتٍ بشأنها، سيّما مع علو الخطاب عن "الهوية"، بعد الغزو العراقي المشؤوم في 1990. ولا يُغفل أنّ مراسيم نزع الجنسية منذ مارس/ آذار 2024 صارت تصدُر في غياب البرلمان الذي حلّه الأمير مشعل الصباح في مايو/ أيار من العام نفسه، مع تعطيله موادّ في الدستور، وفي غياب نقاشاتٍ إعلاميةٍ وأهليةٍ في الخصوص، مع تشديدٍ حكوميٍّ يؤكّد المضي في هذا الملف، وبلغةٍ حاسمة، من قبيل قول الأمير، قبل نحو عام، إنه يبتهل إلى الله بأن يعينه في "تسليم الكويت لأهلها الأصليين"، ووصفه منتقدي حملة سحب الجنسية بأنّهم "دعاة فُرقة ومثيرو فتنة"، كما قول وزير الداخلية (النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس اللجنة العليا لتحقيق الجنسية)، فهد اليوسف الصباح، إنّ الكويت كانت مُختطَفة من جنسياتٍ مختلفةٍ دخيلة"، مع تأكيده أنّ جميع ملفات الجنسية تخضع للتدقيق، بل "الكويت كلّها تحت التدقيق".
مثيرٌ وشائقٌ أن تقرأ عن مجتمعات دول الخليج العربي ومسار تشكّلها وتطوّرها وأطوار انتقالاتها القبلية والحضرية، غير أن هذا كله سيبقى موصولاً، بالضرورة، مع الإسهام الواسع لوافدين عرب، ولعمالةٍ آسيوية كبيرة، في نهوض هذه المجتمعات وإقامة البنى التحتية في بلادها، مع بناء المؤسّسات والمرافق الخدمية والإنمائية المتنوّعة. وتبرُز في الأثناء أسماء عربية كان لها أكبر الأدوار في هذا المشوار الطويل، والباهر، والذي ما كان ليتحقّق فيه الازدهار والاستقرار والرخاء العام من دون إرادة المؤسّسين والبناة الأوائل من الحكّام والشيوخ، بانفتاحهم وتوفيرهم كل أسباب الطمأنينة المعيشية للوافدين الذين يحفظ لهم أهل الخليج التقدير على كل أثرٍ طيّب لهم، وعلى كل ما أنجزوا في البلاد. ولهذا؛ جاءت ناشزةً العبارةُ التي نسبت إلى الوزير الكويتي إنّ هؤلاء كانوا يستلمون رواتبهم وأجورهم على ما عملوا.
مثيرٌ وشائقٌ أكثر أن تقرأ عن الكويت نفسها، بلداً نهضت به مؤسّسات الثقافة والفنون والإعلام والصحافة بالتوازي مع نهوض اقتصادي وتنموي ورياضي وتطوّر اجتماعي وتعليمي عالٍ، وأن تقرأ عن شخصياتٍ بلا عدد كانت لها أدوار جوهرية (بعضها في الأمن والدبلوماسية)، من مصر وفلسطين والعراق وسورية ولبنان وغيرها، في مضي الكويت إلى مكانتها البديعة في الفضاء العربي عقوداً. ولذلك؛ لم يُستقبل سحب الجنسية عن الممثل داود حسين، وتالياً أحمد الطرابلسي، والمذيع الراحل أحمد عبد العال، وغيرِهم كثيرين، إلّا باستغرابٍ مشوبٍ بتساؤلٍ مالح، إذا كان هؤلاء حقّاً غير كويتيين وقد صنعوا ما صنعوا لبلدهم الكويت، وهو السؤال نفسُه في صدد الراحل مصدوماً، عبد العزيز السريع، رحمه الله.