عبد السلام مقبول .. عاشق الصمت

عبد السلام مقبول .. عاشق الصمت

17 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

رحم الله الزميل التشكيلي وفنان الكاريكاتير عبد السلام مقبول، الذي رحل قبل نحو أسبوع، وفي قلبه غصّةٌ ظلت تتضخم طوال سنواتٍ لم يحظَ خلالها بما يليق به من تكريم واعتراف بدوره الكبير في الحركة التشكيلية الكويتية. عبد السلام مقبول كويتي قلباً وقالباً وروحاً وفناً، وإن قالت الأوراق غير ذلك.

أنشر هنا جزءاً من مقدّمة كتابه الذي كان يستعد لنشره، وطلب مني كتابة مقدمته، لكنّه رحل قبل أن يصدر الكتاب، على أمل أن يكون بين يدي القراء قريباً، ويتحقق أحد أحلام الفنان الراحل الصغيرة:

أن تكتب عن فنان تشكيلي يعني أنّك تخوض في غابةٍ من الألوان المغرية، من دون بوصلةٍ تهتدي بذائقتها النهائية. أما إذا كان هذا التشكيلي فنان كاريكاتير أيضاً، فهذا يعني أنّك تسير على أسلاك شائكة، من دون مران مسبق، فماذا لو كان هذا الفنان شاعراً أيضاً؟

قلت لنفسي ذلك، وأنا أستعد لكتابة هذا المقدمة التي طلبها منى الصديق عبد السلام مقبول لكتابه هذا، فقرّرت أن أكتب من دون حسابٍ لفوضى الألوان المغرية، ولا لوخز الأسلاك الشائكة... ولا حتى لأيّ حساباتٍ غير متوقعة، يمكن أن تلوح لي في نهاية النفق أو الأفق عبر صفحات هذا الكتاب.

زاملت الفنان عبد السلام مقبول سنوات صحافية عدة، قبل أن تتفرّق بنا سبل شارع الصحافة في السنوات الأخيرة. وكلما كنت أراه في زياراته المقطعة لي بعد ذلك، كان سؤالي الأول له: "متى تنشر غنائياتك؟". وكان يجيبني، بابتسامةٍ صامتةٍ ولوحةٍ جديدةٍ يعرضها أمامي، موشّحة بسؤال: ما رأيك بها؟

وبين سؤالي وسؤاله، تبدأ مشروعاتٌ وتنتهي لهذا الفنان المتعدّد المواهب، لكنّه فجأة أطلّ عليّ قبل مدة، وهو يحمل بين يديه رزمةً من الأوراق وضعها على المكتب، قائلاً: إنّه كتابي "عاشق الصمت" اقرأيه ثم اكتبي مقدمته إن راق لك، فقلت له لحظتها: سأكتب المقدّمة، حتى قبل أن أقرأ الكتاب!

لا أدري إن كنت أحرجه، حين كنت أسأله دائماً عن كتاباته الشعرية الغنائية، أم أنّه أحرجني، عندما طلب منى كتابة المقدّمة لهذه الكتابات، فما أعرفه أنّه "نطق" أخيراً، واستعان بالأحرف إلى جانب الريشة والألوان للتعبير عن صمته الطويل.

ولا يسعني الآن إلاّ أن "أفضح" بعض أسراره على صعيد اللون والحرف أيضاً، فعبد السلام مقبول، الذي ظلّ سنوات عدة يرسم الابتسامة على وجوه قرّاء الصحف التي عمل فيها كلّ صباح، من خلال رسوماته الكاريكاتيرية الساخرة، اختزن الكثير من أوجاعه بين حناياه، قبل أن يفصح عنها بواسطة هذه النصوص التي بين أيدينا، من دون أن يتخلّى عن سلوكه الساخر، فهو في النص كما هو في اللوحة التشكيلية، كما هو في الكاريكاتير... ذلك الإنسان القادر على استنطاق مادة الفن بمجرّد الموهبة العارية إلاّ من الصدق والعفوية.

ومقبول، فنان شامل بمعنى الكلمة، فإبداعاته كثيرة، وقد صقل الكثير منها بالممارسة وبالدراسة الأكاديمية. وهو يبحث كثيراً، كما يبدو، قبل أن يقدم على أيّ مشروع جديد، فيستطيع عندها أن يقدّمه بكلّ ثقةٍ، مسيّجاً بصبرٍ لا يتوفر كثيراً لدى الفنانين عادة. ولكن من يطلع على مسودات مشاريعه واسكتشاتها، قبل الانتهاء منها، يكتشف أنّه يجتهد إلى درجة الوسوسة في عمله، فهو يكتب ويعيد الكتابة، ويرسم ويعيد الرسم، ويخطّط ويعيد التخطيط، ويستمر في دائرةٍ لا تنتهي من العمل المتواصل، حتى يصل إلى نقطةٍ ترضيه إلى حد ما، فهو لا يرضى بشكل كامل، ولا ينبغي له أن يفعل، كأيّ مبدعٍ حقيقي.

ولأول وهلة، يبدو مقبول، في لوحاته ونصوصه، بل وحتى رسوماته الكاريكاتيرية، لمن لا يعرفه جيداً، كأنّه يناقض نفسه فيما يقدّم من فنون بتجلياتٍ مختلفة، لكن قراءة متعمّقة لنتاجاته بشكل نهائي تكشف عن قدرته العجيبة على التوفيق بين المتناقضات ببساطة أسرة وعفوية تقترب بها من كلّ متذوق، فعبد السلام مقبول حرص دائماً، كما قال لي في أكثر من مناسبة، على مخاطبة جميع الفئات التي يمكن أن تطلع على ما يقدّمه، فلا يريد لفنونه أن تكون أسيرة الأبراج العاجية التي لا يرتادها إلاّ من اصطلحنا على تسميتهم بالمثقفين والنقاد، خصوصاً أنّ فناننا استخدم دائماً لغة بسيطة ومباشرة في كلّ ما كتب، كما استخدم خطوطاً واضحة ورموزاً معروفة من الأغلبية في كلّ ما رسم. وبالتالي، كرس نوعاً من الإبداع الذي ينحاز للبسطاء والمهمشين، وآمن دائماً بأنّ الفن حق لجميع البشر، بمختلف مشاربهم الفكرية والثقافية وتوجهاتهم ومستوياتهم التعليمية.