عبادة المشاعر

عبادة المشاعر

13 اغسطس 2021
الصورة

(خديجة بناني)

+ الخط -

"لقد عانقني كأنّني سترةُ نجاة"... صرّحت مسعفةٌ إسبانيةٌ متحدثة عن اللّحظات المؤثّرة التي شاهدها العالم، حين احتضنت مهاجرا سنغاليا كاد يفقد حياته في البحر. في حدث تدفّق المهاجرين على مدينة سبتة المغربية المحتلة، كانت صور انهيار الشاب الأفريقي المُتعب على ركبتي المسعفة محطّ تعليقات ساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي، فالانهمار العاطفي للشاب الذي عبر مخاطر عديدة، كان متعمّدا بنظر المشاهد الجالس على أريكته الآمنة. وكان تصرّف المسعفة مستغربا من المشاهد الخارجي نفسه، فهو يظن أنها لا شك قابلت عددا كبيرا من المهاجرين غير النظاميين، في وضعياتٍ نفسيةٍ وجسديةٍ حرجة، ولعلّها لم تكن لتتصرّف بالحنان نفسه لولا الكاميرات.
هذا المشهد العاطفي كان سيمرّ مرور الكرام، لولا آلات التّصوير، ولعلّ لإدراك كلّ من المسعفة والمهاجر لوجودهما أمام الكاميرات دوره، لا أحد يعلم، على وجه التّأكيد، بما يجعل فرضية الفعل الخالي من الادّعاء غير ممكنة الإثبات، وكذلك العكس، فنحن أمام مشهد حدث أمام الأنظار، ولا يمكننا معرفة طريقة تصرّف الطرفين، لو لم يكن الأمر كذلك. في هذا المشهد وغيره، وصل استغلالُ وسائل الإعلام العواطف إلى مداه الأقصى، ليغطّي على الحدث بأكمله. كأنّ العاطفة هي الوحيدة التي تهم المشاهد، لهذا يركّز الإعلام على اللّحظات التي تضمّ أكبر قدر منها. كم من مشهدٍ في ذلك الحدث؟ وكم من مهاجر وصل منهكا؟ الجميع، لكنّهم لا يستجيبون لمعايير الاستثارة القُصوى للمشاعر التي أصبحت المقياس الأوّل لأهمّية أيّ حدث إعلامي.

الأشياء التي تُحرّك مشاعرنا في غالب الأحيان اصطناعية، ففي الوقت الذي نحتفل فيه بالمشاعر، تتعرّض هذه الأخيرة للإفساد عبر اصطناعها بأدواتٍ وأشياء مادية

في كتابه "عبادة المشاعر" يُسلّط ميشيل لكروا الضوء على طرق استغلال العاطفة في زمن مُفرط العواطف، حيث يقول إننا "لسنا بدون مشاعر في هذا الزّمن، بل إننا من شدّة تلاعب وتلاطم المشاعر، صرنا ندخل توقّعات حلزونية. نواجه معها العالم بقوة مصطنعة، بينما في الداخل تتراكم الأوجاع ومشاعر الغضب والتعب واليأس... لنتحوّل إلى بالون من المشاعر، ينتفخ كل يوم، ولا أحد يعرف متى ينفجر، أو إذا ما كان يتحمّل إلى آخر رحلته على الأرض". في تفصيله مفهوم عبادة المشاعر في هذا العصر، يقول لكروا إنّ "الإشهار مرآة الروح الجماعية"، وهو مقياسٌ مهم لمعرفة درجة حضور المشاعر في الوعي الجمعي، ودليله هو الدّعاية التي رافقت خروج سيارة "بوجو 306"، حيث يقول الإعلان: "بوجو 306، ما زال من الممكن الانبهار في عصرنا الحالي". إذ فهم اختصاصيو الإشهار الذين يجسّون نبض المجتمع أنّ المشاعر تُشجّع على البيع. وفي مثال آخر، أطلقت شركة رهانات سباقات الخيول حملة دعائية عنوانها "العبوا بمشاعركم". بهذا يريدون القول إنّ الربح النقدي أقلّ قيمة من ارتعاش المراهن وتوتّره عند الانتظار. أي أنّ المخاض النفسي يُصبح أساس اللّعب لا الربح المالي، وهي نظرةٌ أخرى تحاول استرضاء اللاعب المحتمل، واللّعب على مشاعر الذنب لحظة خسارة المال، فيصبح اللعب من أجل المتعة المرافقة له، لا من أجل المال.
كذلك قدّمت محلات "لافاييت" مجموعة من الألبسة المصنوعة من الفراء، على أساس أنها "موجة من المشاعر الجديدة"، فيما قدّمت شركة صناعة الأدوات السّمعية البصرية "بيونير" للزبائن وعدها بأن "المشاعر مضمونة" لدى استعمال منتجاتها. بينما اتخذت محلات FANAC لبيع المنتجات الثقافية والإلكترونية شعار "التقطوا المشاعر"، وسيلة معبّرة لتسويق منتجاتها.
تكشف هذه الحملات الدعائية عن سمتين أساسيتين للنّفسية المعاصرة؛ أنّها تُظهر، في المقام الأول، العودة القوّية إلى المشاعر. كما تُبيّن ذلك الدراسة التي أشرف عليها عالم النفس الفرنسي، برنارد كاتلا، مؤكّدة أن "معظم الأشخاص متلهّفون للمشاعر". وتحذّرنا، من جهة أخرى، من تحويل المشاعر عن مسارها الصحيح، فالأشياء التي تُحرّك مشاعرنا هي في غالب الأحيان اصطناعية: السيارات، السفر، الإنترنت، وغيرها من الأنشطة المخطّط لها. وهذه الحالة تكشف عن تناقض أساسي في طباعنا، ففي الوقت الذي نحتفل فيه بالمشاعر، تتعرّض هذه الأخيرة للإفساد عبر اصطناعها بأدواتٍ وأشياء مادية.

الهدف ليس إنفاق الطاقة بقدر ما هو معالجة مجموعة من المعلومات الآتية من المحيط الخارجي، في توقيتٍ حقيقي، والحفاظ على التوازن، والسّيطرة على نظام تقني معقد

من جهة أخرى، نقف على دور ثقافة الصُّورة في تحفيز المشاعر، من خلال نماذج عديدة، منها: فيلم "الخوف الأزرق" المنتج عام 2000، والذي تم إطلاقه بعبارة إشهارية "مشاعركم الأكثرُ عمقا ستطفو على السّطح". في السياق نفسه، تم تقديم فيلم الشاطئ لليوناردو ديكابريو أنه قصّة شاب في "رحلة بحث عن أحاسيس قوية". وسواء تعلق الأمر بالمنوّعات أو العروض أو الحوارات أو الحكايات الخيالية، فإنّ الإعلام التلفزي يتزحلق فوق المشاعر. وحتى الأخبار صارت هي أيضا فريسة لعدوى المشاعر. حيث تلعب النشرات على النّزعات الوطنية، ومشاعر الشفقة، لجذب انتباه المشاهد باللّعب على عواطفه تجاه قضية ما.
ولا يتوقف الأمر على الأفلام والإعلام، إذ حقّقت صناعة الألعاب الإلكترونية أرقام معاملات خيالية، تفوّقت فيها على كل فروع صناعة الترفيه. فما توفّره هذه الألعاب من استثارة للمشاعر لا يتحقق عبر أي وسيلة ترفيه أخرى. نستحضر هنا لعبة "الوشاح الأزرق" التي تسبّبت في مقتل عدد من اليافعين الذين خضعوا للعبة التي فرضت عليهم اكتشاف شعور المُنتحر شنقا، فكانت النتيجة وفاة بعض منهم، لأنّهم لعبوا بمشاعر خطيرة ترافق حصريا تجربة الاحتضار. .. إلى هذه الدرجة يصبح السّعي خلف المشاعر مخيفا ولغما قد ينفجر في وجوهنا.
بدورها، تلعب الرّياضة على حبل المشاعر؛ فالإعلام والشركات ليست المتلاعب الوحيد بالمشاعر، بل نحن أيضا. مع نشوء رياضاتٍ تعتمد على المغامرة، مثل ألواح التزلّج، وسباق السيّارات والدراجات، أو التزحلق على الماء، والقفز بالمظلّات، ودراجات VTT الصّاعدة على المسالك الجبلية الوعرة .. لكلّ هذه الأنشطة قاسم مشترك، هو تعطيل المجهود العضلي وتفعيل التحكّم الحواسي. سواء تعلق الأمر بالانزلاق على الماء أو في الهواء، الهدف ليس إنفاق الطاقة بقدر ما هو معالجة مجموعة من المعلومات الآتية من المحيط الخارجي، في توقيتٍ حقيقي، والحفاظ على التوازن، والسّيطرة على نظام تقني معقد، فيصبح الجسم حِلّا من ضرورة بذل الجهد ليستمتع بحواسه، وتنطبق عليه بذلك صفة "مصنع الأحاسيس" التي أطلقها عالم الاجتماع جورج فيغاريلو.

لا تمثّل المشاعر فقط وسيلة للهروب من الاكتئاب، بل هي بالنسبة للإنسان المعاصر وسيلة لتحقيق الذات

نحن نبحث في رياضات الانزلاق عن اهتزاز المشاعر، بتقليص المجهود العضلي. حيث يُوفّر التزحلق وسيلة لتوليد مشاعر قوية وغير مسبوقة، ونوعا من الخوف الشّبقي، والرّهبة التي تتملّك الإنسان عندما ترميه الجاذبية تجاه الهاوية، وترفعه التيّارات نحو الأعالي. فـ"الإحساس، هو الحياة الناعمة للروح" كما يقول جان جاك روسو في رواية "جولي .. أو جولي الجديدة".
ولا تمثّل المشاعر فقط وسيلة للهروب من الاكتئاب، بل هي بالنسبة للإنسان المعاصر وسيلة لتحقيق الذات. مع كون هذه الأخيرة مركز اهتماماته، وموضوع بحثٍ في كل لحظة، لأنّها تُحقّق نموذج الحياة الكاملة الذي يتجسّد في عبادة النفس. هكذا نصبح أمام مقولة: "أنا أشعر، إذن أنا موجود"، ونضع الكوجيتو الشعوري مقابل الكوجيتو العقلاني، فالإنسان الشعوري المثالي يحرص على الالتزام بالذاتية. بما أنه يمثل ذاته فقط، حين يحسّ ويعبر عن المشاعر التي تهزّ روحه. باعتبار أن القدرة على الارتعاش هي أغلى سمةٍ لإنسانيتنا، حسب غوته، فـ "سعيد من كان يعرف كيف يرتعش"، إذ إن "لحظة الاهتزاز الداخلي هي بداية الوصول إلى نواة الكيان وتحقيق فرادة الإنسان. و"الكينونة تعني الإحساس"، حسب المحلل النفسي الأميركي، آرثر جانوف.
هذا الحرص على ما هو ذاتي فينا يتماشى مع روح عصرنا؛ فعبادة المشاعر تقلبُ التّرتيب الطبيعي لقدرات الروح، وتُزيح العقلانية عن القاعدة، فبالنسبة لها الوجود الحقيقي للإنسان ليس هو الذي يرفعه إلى العقلانية، ولكن الذي يردّه إلى الحسّية وبدائية الحواس.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج