عام بعد كورونا .. هل تغير العالم فعلاً؟

04 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

ذكّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، قادة العلم، في كلمة له، بعد ما يناهز مرور سنة على ظهور الوباء، بأن البشرية تعيش أخطر تراجيديا عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وأن الإنسانية كلها مهدّدة، بقطع النظر عن إمكاناتها ودرجة تطورها. في مثل هذه الأيام من العام الفارط، اختارت الصين رأس السنة الميلادية، في خطوةٍ لا تخلو من رمزية، لتُشعر الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية تحديدا، بأن فيروسا غامضا قد حل فيها وأصاب منها مقتلا في مدينة ووهان. لم يتم إعلان الحجْر في هذه المدينة سوى بعد شهر تقريبا. كان المرض آنذاك قد انتشر خارج المدينة، بل وخارج الصين بأكملها، ولم يعد في الوسع تطويقه أو محاصرته. ضرب بعد ذلك إيطاليا ضرباتٍ دامية، وانتشر حتى وصل إلى الولايات المتحدة التي لا زالت تعاني من عضّاته القاتلة، على الرغم من اكتشاف التلقيح وبدء حملات التطعيم.
بدأ العالم تدريجيا ينتبه، في ما يشبه الهمس، إلى انتشار مرض عنيد وقاتل، سيُطلق عليه فيما بعد كوفيد 19، أو كورونا. جوبه، في البداية، الآسيويون بكثير من النعوت، لكونهم أول من أصيبوا به. يتذكّر الناس أنهم كانوا يتجنبون في المطارات الطوابير التي يقف فيها الصينيون ومن شابههم، خشية أن يكونوا مصدر عدوى. وكانت أساطير المؤامرات والظنون الكثيرة السيئة بالصين والولايات المتحدة، في ما يتعلق بسباقٍ مميتٍ في حربٍ جرثومية قد تكون جارية بينهما، وخروج الفيروس عن السيطرة، إحدى الأطروحات الأكثر رواجا في تفسير الوباء. وعلى الرغم من مرور أكثر من سنة، لا أحد أقنع الناس بدقةٍ، في ما يتعلق بسبب انتشار الفيروس هذا. اهتم العلماء بمكافحته، وتركوا لكتّاب سيناريوات أفلام الرعب ترتيب الأحداث في تشويقٍ يتلف الأعصاب. لبس اللثام، التباعد الجسدي، والإكثار من غسل الأيدي إلى حد الهلوسة، هذا ما تسلح به العالم في مواجهة الوباء. خلال سنة كاملة، والعالم أعزل سوى من هذه الاحتياطات البدائية. ثم تدريجيا، ومع تراجع أعداد الإصابات والوفيات، اعتقد الناس أنهم سيطروا على الفيروس، غير أن تلك التوقعات لم تكن في محلها. ها هو الفيروس يعود في موجة ثانية وثالثة، غير مكترثٍ بحملات التلقيح الأولى التي بدأت في الولايات المتحدة الأميركية، وبعد الدول الأخرى بعد منافسةٍ محمومةٍ بين كبرى الشركات المختصة في الصناعات الصيدلانية.

ألم المستضعفين يستفحل، مآسي البؤساء تتضاعف. لم نخرج بعد إلى عالم آخر، كان بعضهم يحلم به: عالم أكثر تضامنا وتآزرا على الأقل وقت المحن

على الرغم من بعض اللامبالاة التي أبدتها بعض الجماعات مبكرا، فإنهم اقتنعوا، في النهاية، بخطورة المرض، خصوصا في ظل إعلام تجنّد لهذا الغرض، وأيقنوا أنه لا ملاذ منه سوى التلقيح، في وقتٍ بدت أصوات من عارضوا هذا الخيار ضعيفة فاقدة للأثر، على الرغم من أن وراءها علماء كبارا، مثل عالم الفيروسات الفرنسي، راؤول ديدييه، أهم صوت مناهض لهذا الهلع، واعتبره صناعة كاذبة تحتال على مشاعر الناس، وتستثمر في الخوف من المرض.
ومع أهمية هذا الجدل الجاري بين الجماعات العلمية المختصة في الأوبئة، لا زالت حملات التلقيح تجد معارضة شرسة، إذ تفيد الإحصائيات بأن ما زيد عن نصف المستجوبين في فرنسا وبريطانيا وألمانيا ما زالوا يعارضون إجراء التلقيح، وذلك إما لعدم الاطمئنان إليه أو خشية من عواقبه وآثاره الجانبية، فكأن هذا التلقيح أعد بسرعةٍ فائقة، مثل وجبات الأغذية السريعة. ثمّة أزمة ثقة كبيرة ما تزال تلاحق هذه التلاقيح، يعود سببها إلى ما رافق بروز الفيروس من تفسيراتٍ تستند إلى نظرية المؤامرة.
تثبت الأرقام التي قدّمتها مختلف المنظمات الأممية والدولية، "يونسيف"، منظمة العمل الدولية، البنك الدولي، تثبت الآثار السيئة الكبيرة التي عصفت بالمجتمعات نتيجة الوباء: بطالة تتفاقم، فقر يستفحل، فضلا عن انتشار العنف والاكتئاب وعشرات الأمراض النفسية الأخرى.. إلخ، وهي علل نهشت الشرائح الأكثر هشاشةً على غرار الأطفال والنساء والمعوَّقين والمهاجرين واللاجئين. لا يتوقع أكثر الخبراء تفاؤلا أن يتعافى العالم خلال الأشهر، بل السنوات القليلة المقبلة، خصوصا وأن الفيروس يبدي طفراتٍ مخيفة، توحي بأنه سيكون أكثر عدوى وشراسة من نسخه السابقة. ومع ذلك، لم يبد العالم تضامنا أو تآزرا بحجم الكارثة. كان الأغنياء، دولا وفئات، أول من باشر التلاقيح، وظل الفقراء ينتظرون، علّ المنظمة العالمية للصحة تتكرم عليهم، أو تعمد الشركات إلى تخفيض الأسعار.
كانت الأطروحة التي تردّدت بعيد انتشار الوباء أن العالم لن يكون بعد كورونا كما كان قبلها. وإلى الآن، لم نر قسمات العالم وملامحه الكبرى قد تغيرت، ثمّة قسمات تزداد بروزا: ألم المستضعفين يستفحل، مآسي البؤساء تتضاعف. لم نخرج بعد إلى عالم آخر، كان بعضهم يحلم به: عالم أكثر تضامنا وتآزرا على الأقل وقت المحن.