عام الوباء

30 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

غدا يودّع العالم واحدا من أكثر الأعوام التي سيخلدها التاريخ الإنساني ضمن قائمة أعوام الكوارث والأوبئة التي عانت منها البشرية جمعاء. إنه عام فيروس كورونا، أو عام كوفيد ـ 19، الفيروس الذي ظهر نهاية عام 2019، وسرعان ما انتشر في جميع أرجاء العالم عام 2020، وأدّى انتشاره إلى أزمة عالمية غير مسبوقة، جعلت الإنسانية كلها تترقب وداعه بفارغ الصبر، مع اعتقاد واهم بـأن نهاية العام قد تحمل معها نهاية الوباء واختفائه إلى الأبد، خصوصا مع بدء حملة التلقيح الواسعة في معظم البلدان.

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كانت مفاهيم مثل "عمليات الإغلاق" و"وضع الكمّامة" و"التباعد الاجتماعي" غير معروفة لمعظمنا، واليوم هي جزء من لغتنا اليومية ومن نمط عيشنا، بما أن الوباء ما زال مستمرا في التأثير على جميع جوانب حياتنا. وعلى مدار الاثني عشر شهرًا الماضية، لم يستثن هذا الوباء اللعين الأغنياء والمشاهير وزعماء الدول، مع أنه أضر أكثر بالفقراء والضعفاء، وهدّد بدفع ملايين آخرين إلى هوّة الفقر، ويعتقد محللون اقتصاديون أن عدد الذين باتوا مصنفين في خانة الفقراء، بسبب تأثير الجائحة، يفوق 88 مليون شخص. وفي سيناريو أسوأ، يتوقع خبراء البنك الدولي أن يتجاوز العدد 115 مليون ملتحق بقائمة "الفقراء الجدد"، أغلبهم في جنوب آسيا ومنطقة أفريقيا جنوب الصحراء وغرب أميركا اللاتينية.

وفي وقتٍ نستعد فيه لوداع العام الذي سيمضي، ما زالت البشرية تقف حيرى لا تعرف الكثير عما حدث وكيف ومتى، تخوّفها سرعة تحول عالمها وتقلّب أحواله، لكن الشيء الوحيد المؤكد هي الإحصائيات الصارخة عن عدد الذين فتك بهم الداء، وتجاوز عددهم أكثر من 1.7 مليون وفاة وعشرات ملايين الإصابات في جميع أصقاع العالم، وما زالت أعداد الوفيات والإصابات في تصاعد.

الوباء لم يكن سوى ناقوس خطر صغير، جاء ليذكّرنا بمدى هشاشة وجودنا وقوة الطبيعة التي تفاجئنا كل يوم بما هو جميل فيها

عام صعب واستثنائي بكل المقاييس، جرّب فيه الإنسان كل شيء، الخوف والمرض والضعف والموت والحزن والفرح، والفوضى والاضطراب، وعاش فيه تجربة العزلة والتباعد الاجتماعي وإغلاق الحدود ومنع السفر، وأغلقت فيه المدارس والمعامل، وحظر فيه التجوال، وفرغت فيه المدن والشوارع والطرقات، وامتلأت فيه المستشفيات بالمرضى، وتم إجهادها إلى أقصى حدودها. إنه عام المقابر الجماعية، غصّت فيه المقابر بالنعوش، وغاب عنها المشيعون والنعاة، وتحولت الوفيات إلى أرقام جافّة وخطوط بيانية جامدة. ولكنه أيضا عام العلم بامتياز، وضع العالم أمام تحدٍّ علمي، غير عادي وغير مسبوق، وغيّر وتيرة الرؤى والأبحاث العلمية، وأثّر في مناهج البحث العلمي، وجعل العلماء يتسابقون لإيجاد علاجاتٍ وابتكار لقاحاتٍ تمكّنها من السيطرة على الوباء، إلى درجة لم يسبق لها أن تقدّم بها العلم بهذه السرعة في أي زمان أو عصر سابق.

لا يمكن أن نصف العام المنتهي بأنه الأسوأ، على الرغم من أن البشرية لم تعرف مثله منذ زهاء قرن، لأنه لا أحد يعرف ما تخبئه لنا الطبيعة من مفاجآت غير سارّة، ويجب دائما الاستعداد للقادم وقد يكون أسوأ. وعلى الرغم من قساوة هذا العام الذي مضى، لا يجب أن ننسى نقاطا مضيئة أنارت طريق الإنسانية خلال الشهور الاثني عشر الماضية، تلك المتمثلة في ثقافة العيش المشترك فوق الكوكب نفسه، مع أمل أن تستمر التغييرات الإيجابية التي أحدثها الوباء في سلوكنا ونمط عيشنا وطريقة نظرتنا إلى الحياة والطبيعة، فالوباء لم يكن سوى ناقوس خطر صغير، جاء ليذكّرنا بمدى هشاشة وجودنا وقوة الطبيعة التي تفاجئنا كل يوم بما هو جميل فيها، يدخل الفرحة على قلوبنا والسعادة إلى حياتنا وما هو أسوأ، وما أكثره، نجهله أو نتجاهله حتى يباغتنا فيفتك بنا.

يعتقد محللون أن عدد الذين باتوا مصنفين في خانة الفقراء، بسبب تأثير الجائحة، يفوق 88 مليوناً

لقد أثار تأثير هذا الوباء مقارناتٍ عديدةً بما سبق أن عاشته البشرية من كوارث وأوبئة في التاريخ المعاصر، مثل الأنفلونزا الإسبانية قبل زهاء مائة عام، والحربين العالميتين في ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته، والأزمة الاقتصادية العالمية الكبيرة نهاية العشرينات من القرن نفسه، وفيما تبدو هذه الكوارث والأزمات مأساويةً إلى حد صادم، إلا أن الوباء الحالي كان له تأثير واسع النطاق على كل جانب من جوانب الحياة، ولن يقلّ تأثيره عن ذلك الذي أحدثته تلك الأزمات التي سبقته، كما لن يُعرف الحجم الكامل لهذا التأثير إلا في السنوات المقبلة، عندما تتأكّد البشرية بأنها قضيت عليه وإلى غير رجعة، وعندما تنتهي من إحصاء موتاها وخسائرها التي لا يُعرف متى ستتوقف، وأكثر من ذلك مدى تأثيرها على ما هو مُقبل من الأيام والأعوام.

المثير للصدمة أنه لا يزال هناك بيننا من يعتقدون أن الأمر برمته مفتعل، وأن الفيروس الذي تسبّب بالوباء غير موجود، وأن ما نشاهده مجرّد دعاية سمجة، يحبكها متآمرون يريدون السيطرة على العالم وإخضاع البشرية لمصالحهم، إلى غير ذلك من نظريات المؤامرة التي تجبر بعضهم على وضع قبّعات الجهل على رؤوسهم، بدل من وضع قناعات واقية على أوجههم. وفي هذه الحالة، يجد المرء نفسه أمام خياراتٍ صعبة حقًا، هل يبتلع حقيقة غباء أولئك المطلق، وينتظر حتى يقوّض من حوله الطبيعة والعالم، أو هل ينتصر لقيم العلم والحفاظ على الطبيعة من الجهل الأسطوري المقدّس؟ .. الخيار لنا جميعا.