عالم جديد؟ لا شكراً

عالم جديد؟ لا شكراً

03 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

منذ انفجرت جائحة كورونا، تتكرّر لازمة أن العالم سيتغير نحو الأحسن بعد تعافيه، وأن الحياة فيه ستغدو أفضل. "أفضل" تفاوتَ عند المتفائلين ما بين تطرف وردي وواقعية أسندت ظهرها إلى حقائق صلبة للخلوص إلى نتائج رخوة. تذكّر المتفائلون أن أوبئة كثيرة في التاريخ كانت سبباً في نهاية حروب، لكن فاتهم أنها هي نفسها غيّرت بنى اقتصادية نحو مزيد من التوحش واستغلال الطبيعة والبشر. التقط المتفائلون إشارات من نوع انحسار الضرر اللاحق بطبقة الأوزون بفعل توقف دورة المصانع والمركبات والطائرات لأسابيع، ليحققوا في مخيلتهم قفزات اشتراكية نقلت العالم إلى ما بعد الرأسمالية. رأى هؤلاء على شاشاتهم مشاهد حيوانات برية تجولت لدقائق في شوارع مدن هجرها البشر بفعل الإغلاق العام، فسارعوا إلى نظم قصائد "حبيبتي الطبيعة". أما نظرية أنماط الإنتاج الأكثر عدلاً ما بعد كورونا، فقد وجدت عند المتوهمين إياهم براهين عجيبة فاتها أن ربع مليار وظيفة خسرها العالم عام 2020، مرشحة لأن يزيد عددها حتى ولو تم القضاء على الجائحة اليوم، لأن العمل الافتراضي وعن بُعد سيصبح هو القاعدة، والمزيد من الاعتماد على التقنية والروبوتات والذكاء الاصطناعي هو الأساس على حساب اليد العاملة "الحقيقية". التفكير الرغبوي ذاك بعالم أفضل عن حُسن نية ربما، اختصره المخرج السينمائي والموسيقي والرسام الأميركي ديفيد لينش بكلام شاعري في إبريل/ نيسان 2020: ستغدو الحياة أفضل. سيستمتع الناس بكونهم أحياء. ستُصبح صورتهم عن أنفسهم أكبر وأوسع. ستتحسّن علاقاتهم برفاقهم ورفيقاتهم في الإنسانية. سيكون هناك عالم مختلف، أكثر ذكاءً بكثير. سنصل إلى حلول. ستغدو الحياة جميلة جداً.
صحيح أن الأحلام الوردية تلك لم تدم أكثر من أسابيع أو أشهر من مطلع عام 2020، إلا أن أقلاماً وعقولاً رمت كمية من التفاؤل تحتاج سنوات لهضمها. أنغام توحُّد العالم أمام المصيبة كانت شديدة النشاز. الحجر الصحي هنا لا علاقة له بالحجر هناك. هنا موت من الجوع حرفياً مع كل انقطاع عن العمل إن توفّر، وهناك تعويضات ودعم مالي تُبقي المواطن آمناً في منزله الفسيح وهو شبعان. ثروات المليارديرات زادت 20 في المائة خلال العام الأول للجائحة. أكبر 2200 ملياردير في العالم بلغت ثرواتهم حتى ديسمبر/ كانون الأول 11.4 تريليون دولار (والتريليون هو ألف مليار)، مقارنة مع 9.5 تريليونات دولار كانوا يملكونها في 2019. 255 مليون عامل وموظف خسروا أشغالهم. ما بين 119 و124 مليون شخص انضموا إلى فئة الفقراء في العالم...
فَهم المتفائلون سريعاً مكمن العطب في أحلامهم، فوضعوا كل بيضهم في سلة اللقاح الموعود. وبالفعل، ظهرت أصناف عديدة من اللقاحات، فخرجت معها أنواع مختلفة من الوحوش البشرية بدل أن يخرج الورد من بين الأشواك. فصيلة من بين هذه الوحوش حطّت رحالها في الدنمارك. هذا البلد الثري الذي يسكنه 5.8 ملايين نسمة، اشترى نحو 44 مليون جرعة لقاح "على سبيل الاحتياط". 44 مليون لقاح يكفون لـ22 مليون شخص لبلد سكانه 5.8 ملايين، بينما عشرات البلدان لا تستطيع الشراء أو أنها لا تجد دوراً لدى شركات الأدوية لأن جماعة التخزين على سبيل الاحتياط سبقوها على الطلبيات. هو نوع من الجرائم التي نسبها المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس غيبريسوس إلى عائلة "الكوارث الأخلاقية" والتي انضمت إليها أخيراً بريطانيا والاتحاد الأوروبي في حربهما على من تطاول يداه لقاحات أكثر.
كلما زادت المساحة الممكنة لوصف معالم هذا "العالم الجديد"، ظهرت سفالة أبطاله أكثر. إسرائيل تقدم 5 آلاف لقاح لخمسة ملايين فلسطيني. وَرَثة أحقر الفاشيين في لبنان، يشنّون حملة لمنع اللقاح عن اللاجئين الفلسطينيين والسوريين وحصره باللبنانيين الذين تهافت كثر منهم إلى بلدان الخليج وأوروبا لتلقيه، وهم أجانب هناك. ولكي يصل الغثيان اللبناني إلى ذروته، تقرر فئة من المتعجرفين أنه سيكون للصحافيين أولوية على غيرهم في تلقي اللقاح عندما يصل بعد أسبوعين.
لقد أعمت ألوان الورد أبصارنا. حبذا لو نعود إلى النسخة القديمة من العالم.