عالم الميتافيرس والفستان الأحمر

عالم الميتافيرس والفستان الأحمر

06 نوفمبر 2021
الصورة

(Getty)

+ الخط -

سوف أستيقظ صباحا، أمارس طقوسي الصباحية؛ تمارين اللياقة، ثم فنجان القهوة، ثم المتّة، ثم حمام ماء ساخن، ولن أنسى أن أرطب جسدي بكريمات ذات رائحة جميلة، ثم أرتدي ثيابي وأضع كحل عيني، المكياج الوحيد الذي أحبه، بعد أن أقوم ببعض حركات المساج لوجهي، كي لا يفقد نضارته، ثم أرتدي حذائي، وأجهز "شنطة" الكتف المناسبة للحذاء، ثم أفتح هاتفي الذكي وأطلب سيارة، ذلك أنني أريد الذهاب إلى "المول"، لأتسوق حاجيات غير ضرورية، ثم أجلس إلى الطاولة التي أضع عليها شاشة كومبيوتر كبيرة، وأتناول نظارتي ثلاثية أو رباعية الأبعاد، وأبدأ مشواري المرجو.

سوف أفتح الباب الخلفي للسيارة، وأجلس في الجهة اليمنى. السائق سيعرف إلى أين سأذهب من دون أن أخبره، ذلك أنني حدّدت له الموقع منذ البداية. في نهاية الرحلة، لن أدفع له، لأنني كنت قد دفعت مسبقا ببطاقتي البنكية. سأصل إلى نهاية الرحلة وأنزل، أدخل من باب "المول" الكبير، من دون حاجة لوضع قناعي الطبي، وسأتمشى في ممرّات المول أتأمل المعروضات. سيعجبني فستان أحمر، أحبّ الفساتين الحمراء إلى درجة الشغف، ولا أعرف هل هذا مرتبط بقصة "ذات الرداء الأحمر" التي كنت حين أقرأها في صغري أتخيلني أنني أنا من تمشي في الغابة، متغاويةً بردائي الأحمر، لكنني لن أستسلم للذئب سوف أغويه وأظهر له الخوف الموارب. أخبره أنني سأدعوه إلى بيت جدتي ليأكل معنا، ثم حين أصل أدخل بسرعة وأغلق الباب خلفي، وأتركه ينتظر حتى يشعر بالملل فيذهب خالي الوفاض، إذ أصل الحكاية هو التدريب على الطاعة والخوف من الآخرين. وأنا لم أكن يوما مطيعة، ولم يصبني الرعب من الآخرين، سيما مما أريد له أن يكون في القصة معادلا للذئب، أي الرجل، حوّل خيالي حكاية ذات الرداء الأحمر إلى فعل غوايةٍ أنثوية. ربما لهذا تعجبني الفساتين الحمراء، لما فيها من خيال الغواية.

لكن مهلا، أين أنا الآن؟ ما زلت في "المول" التجاري، أتأمل فستانا أحمر بأكتافٍ مكشوفة، دخلت وطلبت المقاس المناسب لي. لم أجرّبه، إذ إحدى عاداتي السيئة أنني لا أجرّب ما أشتريه، أحفظ تفاصيل جسمي جيدا، وأعرف ما يناسبه. لكن يحدث كثيرا أن أكتشف أنني مخطئة، حين أعود إلى البيت وأقيس الملابس التي اشتريتها، فأعيد المشوار ذاته كي أستبدلها. المهم، الآن، أنني اشتريت الفستان، ودفعت ثمنه ببطاقة البنك، ثم انتقلت إلى قسم الأحذية واشتريت حذاءً مقاس 38 بكعبٍ يتناسب مع الفستان الأحمر، ثم تابعت التجوّل والتسوّق. اشتريت بعض أدوات الزينة، ذهبت إلى السوبر ماركت الكبير، اشتريت حاجيات للمطبخ، وطعاما لقطتي الصغيرة. وطبعا، كل مدفوعاتي عبر البطاقة البنكية. بعدما انتهيت، أعدت طلب التاكسي بطريقة ذهابي نفسها، ووصلت إلى البيت. نهضت عن كرسي الطاولة، وخلعت نظارتي وبدّلت ملابسي بثياب البيت وجلست بانتظار أن يصل إلي ما اشتريته.

نسيت أن أخبركم أنني قابلت أصدقاء لي في "المول" التجاري، لم أستطع أن أعانقهم أو أصافحهم، ذلك أن ما سبق كله يحدُث عبر شاشة الكومبيوتر، يحدث افتراضيا، في عالم "الميتافيرس" المأمول الذي يبشّرنا به تحالف الرأسمال الضخم في العالم. ويُخبرنا بما سيكون عليه شكل الحياة في المستقبل.

يدافع بعضهم عن هذا الشكل الافتراضي المأمول لحياة البشر، بذريعة أن المستقبل للشباب وليس للعجائز، وأن مالكي تحالف شركات "ميتا" أدركوا أن عليهم مجاراة طموحات الجيل الشاب في العالم، غير أنني أظن أننا جميعا، بأجيالنا كافة، نعيش حياتنا وفق ما يحقق مزيدا من الأرباح لهذه الشركات، وأنها هي التي تتحكّم برغباتنا لا العكس، وأن اعتمادنا المهول على وسائل الافتراض والتكنولوجيا تم عبر حالة تعوّد يومي دؤوب، زاد في عزلة البشرية بقدر زيادة أرباح الشركات الرأسمالية العملاقة، والتي قضت تماما على أصحاب المشاريع الصغيرة، سواء الخدمية أو الترفيهية، ما سيجعل الفروق بين البشر مهولة، ويعيد إنتاج العبودية، ولكن بشكلها ما بعد الحداثي.

ما يقال عن عالم "الميتافيرس" هو بمثابة رثاء لحالة العاطفة والدفء التي يشكّلها الاجتماع البشري، لصالح عالم محايد وبارد وخالٍ من المشاعر ومن الخيال الفني ومن خيال الغواية لصالح العلم بكل برودته. ما فائدة فستان أحمر تشتريه امرأة وهي تجلس في بيتها وحيدة، إن غاب خيال الغواية عن الحياة؟