عار "مؤسّسة غزّة" اللاإنسانية
لابن الناصرة، الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، قصيدة بعنوان "ادفنوا أمواتكم وانهضوا"، كان فيها على الفلسطينيين أن يتجرّعوا الكأس كلها، حتى الثمالة، يقول فيها: "إنما لا بأس هذا لحمنا جسر/ على البحر الأجاج/ لضفاف لم نخُنها أو تخنّا/ يا تراباً كله تبر وياقوت وعاج/ حبنا أقوى من الحب وأغنى/ فادفنوا موتاكم وانتصبوا/ فغدٌ لو طار، لن يفلت منا/ نحن ما ضعنا ولكن/ من جديد قد سُبكنا".
تُستحضَر القصيدة في كل حينٍ يجد الفلسطينيون فيه أنفسهم على شفا الإبادة، وهي كثيرة، وجديدها أخيراً العدوان غير المسبوق على غزّة الذي خلّف عشرات الآلاف من القتلى، وأغلبهم أطفال ونساء.
كأنما استُهدِفت الأرحام، وإذا أنجبت استُهدف الأطفال، وهو ما تابعه العالم كله بمن فيه دونالد ترامب الذي لم يجد بأساً من التذمّر وهو يتابع المذبحة المفتوحة على العالم، تحدّق بعينيها وتكفّن موتاها إذا توفر لها الوقت، وتدفنهم في أي مكان، ذلك أن القبر والدفن الكريم أصبحا أمنيةً لا تُنال للفلسطيني دون سواه في هذا العالم.
في يوليو/ تموز الماضي، سافر ترامب إلى اسكتلندا لغايات محض شخصية وترفيهية، ومنها افتتاح ملعب جديد للغولف، لكنه عندما سئل عمّا يتابعه العالم من قتل عميم وغير رحيم في غزّة، اعترف للمرة الأولى بأن الناس تموت جوعاً بالفعل هناك، وتعهد بإنشاء مراكز توزيع للمساعدات الغذائية يمكن الوصول إليها بحرية وبدون قيود. وكان ذلك اعترافاً موارباً بوحشية ما كانت تفعله "مؤسّسة غزة الإنسانية" التي أعلنت وقف عملها أخيراً.
تقول المؤسّسة، في بيان إنهاء عملها، إنها وفرت أكثر من 187 مليون وجبة مجانية "بشكل آمن"، منذ بدء عملها في مايو/ أيار الماضي، والرقم ليس كبيراً بالمناسبة، ويعني أقلّ من وجبة واحدة يومياً مقارنة بعدد الغزّيين. ولكن إذا افترضنا أنها وفّرت الحد الأدنى من حاجيات أبناء القطاع تحت القصف والحصار والتجويع، فإن المؤسّسة التي زعمت أن المساعدات وصلت "بشكل آمن" تتغافل عن مشاركتها في الجريمة من الأساس، ولم تتحدّث على سبيل المراجعة أو الشعور بالذنب عن ضحايا وجودها نفسه، ولا عن أكثر من ألفي غزّي قتلوا قبل الوصول إلى مساعداتها. فقد قتل بسبب ذلك، بحسب المفوضية الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، نحو 1400 غزّي حتى أغسطس/ آب الماضي، وترجّح مصادر فلسطينية وصول العدد لاحقاً إلى أزيد من 2600 خلال محاولات الأهالي الحصول على مساعدات المؤسسة. ولم يُقتل هؤلاء جرّاء التجويع، بل بالرصاص، وكثير منهم بالقرب من منافذ التوزيع الأربعة التابعة للمؤسّسة أو في مسار قوافل المساعدات.
ولعل كثيرين لا يعرفون أنها لم تكن من أعمال الغوث، بل وقائع قتل معلن، فقد كان على من كان يريد الحصول على المساعدات أن يقطع عدة كيلومترات ليصل إلى منافذ توزيعها، بعد أن يمرّ في طريقٍ محاطة بالأسلاك الشائكة، ما كان يعرّضه للقتل في أي لحظة، إما برصاص الإسرائيليين أو المرتزقة العاملين في "مؤسّسة غزّة"، وهو ما أكدته "هيومن رايتس ووتش" التي قالت إن إسرائيل كانت تشرف على رحلة الغزّيين إلى منافذ التوزيع باستخدام الذخيرة الحية.
أنشأ المؤسّسة "اللاإنسانية" ضابط أميركي سابق في وكالة الاستخبارات الأميركية (سي. آي. إيه)، باتفاق سرّي مع إسرائيل لإبعاد المنظّمات الدولية ومن في حُكمها من القطاع، وسُجّلت المؤسّسة منظمةً غير ربحية في الولايات المتحدة وسويسرا في فبراير/ شباط الماضي، ولكن التحقيقات التي أجريت لاحقاً في جنيف بيّنت عدم وجود أي مقرّ للمؤسسة أو ممثلين عنها في الأراضي السويسرية كلها، بل استقال أول رئيس تنفيذي لها قبل بدء عملها، لعدم ثقته بالتزامها بالمعايير الإنسانية، فآل المنصب بعد شهور قليلة إلى قسٍّ إنجيلي أميركي مقرّب من إسرائيل وترامب.
كانت المؤسّسة عاراً وستظل. أنشأت مصائد القتل ووفرت الغطاء لهندسة التجويع واستخدامه وسيلة للقتل في الحروب، واقتدت في جريمتها هذه بما فعلته النازية نفسها التي قتلت بالتجويع فقط نحو ثلاثة ملايين أسير سوفييتي كانت تحتجزهم في معسكراتها خلال الحرب العالمية الثانية. وتلك لم تكن حقبة سلفت، فثمّة من يواصلها، ومن قال إن هتلر انتهى بموته أو انتحاره، عليه أن يراجع سجّل إسرائيل في غزّة والمتعاونين معها ليتأكد أنه باقٍ ويتمدّد.