طارق البشري .. مصرياً

02 مارس 2021
الصورة

(العربي الجديد)

+ الخط -

لو أردنا تعريفا، وتصنيفا، جامعا للمستشار طارق البشري، يختزل مشروعه، الفكري والمهني، فهو أنه "مفكّر مصري". لم ينتقل البشري من اليسار الناصري إلى الإسلام السياسي، كما يشاع، لكنه أضاف بعدا جديدا لشخصيته الفكرية، ودائرةً أخرى من دوائر انتمائه المتعدّدة التي تتقاطع، ولا تتعارض أو تتصارع. ظل البشري على قوميته، وأضاف إليها الإسلام الحضاري، لا السياسي، بوصفه هو الآخر جزءا أصيلا من مكونات الذات والهوية المصرية، وبحث فيه، إلى جوارها، عن سؤال جيله، سؤال الاستقلال التام، وهو المدخل الأول الذي يمكّننا من فهم طارق البشري، الرجل والمشروع.
يقول البشري عن نفسه: "أنا من الجيل الذي شكلت فكرة الاستقلال الوطني بالنسبة إليه أهم قضية في حياته.. كل حياته ووجدانه وعواطفه ارتبطت بهذا الأمر". وتقول عنه المستشرقة آنجيلا جيورداني: "ينبغي أن يقرأ فكر البشري في مجمله بوصفه واحدا من ملايين الإجابات التي قدمها مفكرو مرحلة ما بعد الاستعمار في جميع أنحاء العالم، استجابة لدعوة فرانز فانون لدول العالم الثالث لابتكار مفهوم جديد للإنسان لا تتقيد هويته بالمقاييس الأوروبية". وفي سياق، ليس بعيدا، يضيف المفكر اليساري حسام عيسى: "هناك جانب بالغ الأهمية في طارق البشري كقاض، وفي طارق البشري المؤرّخ، وفي طارق البشري الأستاذ. هو الإيمان العميق بالحريات".
يبحث البشري في ستينيات القرن الماضي عن الاستقلال في "الميثاق"، ويرى في الاشتراكية العربية إرادةً شعبيةً جماهيريةً وتجليا لتاريخ الأمة وتراثها وانحيازاتها الكبرى. لا يتخلى البشري عن ذلك، ويظل على انحيازه للتجربة، لكنه يدرس أسباب هزيمتها بعد 1967، ويرى أنها قدّمت مشروعا حقيقيا، لا يتنكر له، ولا يتنصّل منه، لكنه يشير إلى الحرية الغائبة، بوصفها العنصر "المصري" الذي غاب عن الناصرية فغيّبها. وهنا يصل إلبشري إلى أن الحرية ركن "أصيل" في ثورتي أحمد عرابي وسعد زغلول، وأن مصر لم تشهد مشروعا للاستقلال إلا وهو يرتكن إلى الديمقراطية، ما يعني، بوصف البشري، إن الديمقراطية "تقليد" مصري، وجزء من مكونات الهوية، كان غيابه المعلن عن التجربة الناصرية سببا في هزيمتها.
تأتي مرحلة السبعينيات وتنحاز الجماهير إلى المد الإسلامي، لا ينحاز له البشري في صورته الصحوية، لكنه يبحث في الشريعة الإسلامية، بوصفها جزءا من المصدرية القانونية للشعب المصري، بتعبيره، عن إجابة لسؤال الاستقلال، ويرى في التراث "قيم الماضي الحية التي تدفع نحو المستقبل"، ولا تخلو قراءته للتراث من نظرةٍ تاريخية، ومادية، يستمدّها من رافده اليساري. وهو في دراسته التراث، والشريعة، يدرسهما في ضوء حضورهما التاريخي في التجربة المصرية، وتأثيرهما عليها، وإمكانية الاستفادة منهما في بناء هويةٍ مصريةٍ وعربيةٍ مستقلة، وإطارا رسميا للمشروع الوطني.
كان البشري من أوائل المفكرين المصريين الذين دعوا إلى الثورة، والعصيان الشامل. لا يقتصر الأمر على أحكام قضائية أصدرها وتحمّل مسؤوليتها، من موقعه قاضيا في مجلس الدولة، ونائبا لرئيسه، وأشهرها حكمه التاريخي بعدم قانونية إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، وهو حكم محكمة القضاء الإداري الذي اصطدم مباشرة بقرارات رئيس الجمهورية، والذي دفع البشري ثمنه بحرمانه المتعسّف من رئاسة مجلس الدولة، واستدعاء من هو أقدم منه، المستشار علي الخادم، من الخارج، لقطع الطريق على البشري. أقول إن الأمر لا يقتصر على إسهامه القانوني، إنما يتجاوزه إلى إسهامه الفكري، بالكتابة والدعوة الصريحة، والواضحة، والمباشرة، والشجاعة، إلى العصيان، في مقالات عدة. وفي كتابٍ له صدر في العام 2006 بعنوان "مصر بين العصيان والتفكّك"، يصف فيه نظام حسني مبارك بأنه دولة بدون وطن.
يمكنك أن تختلف قليلا، أو كثيرا، مع بعض تصوّرات البشري ونتائجه، لكنك لن يسعك إلا تقدير جهده، وعمقه، وإخلاصه لقضية بلاده، وهو ما يشير إليه الكاتب والمؤرّخ، شريف يونس، في "بوست" موزون، تعليقا على مشروع البشري ومدى استفادته منه واختلافه معه: "في مجال الفكر، عمق الفكرة أهم بكثير من اتجاهها، ومنهج الكتابة أهم بكثير من الخلاصة التي يصل إليها الكاتب".