ضغوط عنف لكبح أربيل

07 ديسمبر 2025
+ الخط -

لم يكن مشهد الطائرة المسيّرة التي قصفت حقول الغاز في كورمور (محافظة السليمانية في العراق)، في 26 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني) استثنائياً ولا جديداً، فسبق لإقليم كردستان العراق أن عانى من قصف خطوط نقل النفط إلى ميناء جيهان التركي، وتعرّض حقول الغاز والنفط للتخريب المتعمّد. لكن الجديد هذه المرّة إنها جاءت بالتزامن مع سلسلة قضايا تتعلق بمستقبل العملية السياسية في العراق، والتهديد الأميركي الدائم بوضع حد نهائي للسلاح خارج سيطرة الدولة، وإنهاء المليشيات الخارجة عن القانون. وهو ما لخّصه المبعوث الرئاسي الأميركي إلى العراق، مارك سافايا، خريطةَ طريق تصرّ عليها واشنطن بشأن "حلّ قضية السلاح الخارج عن سيطرة الدولة، وفصل السلطات، واحترام الأطر الدستورية، ومنع التدخّلات التي تعوق إتمام استقلال القرار الساسي وتمنع إضعاف استقلالية الدولة". يقول سافايا هنا إنّ العراق أمام طريقين لا ثالث لهما "إما التوجّه صوب مؤسّسات مستقلة قادرة على تطبيق القانون، وإيجاد بيئة أمنة للاستثمار، أو طريق العنف والتعقيد واستمرار هدر الدماء".

غالباً، هذه اللغة الدبلوماسية الهادئة هي بمثابة الإعلان الأخير لإنهاء الوجود الإيراني في العراق، وإن جاز التعبير "سوابق" الرئيس الأميركي ترامب، في إنهاء التمرّدات والجماعات حامية الرأس خارج إطار الدولة، لا تزال ضمن الذاكرة القريبة. خصوصاً وأن مؤشّرات عديدة تقود إلى محاولات حزب الله استعادة نشاطه ضمن الجنوب اللبناني، وصلاته القوية مع مختلف المليشيات ضمن العراق، مع تراجع العراق عن تصنيف الحزب جماعة إرهابية، بعد أن وضعه على اللائحة. وذلك كله كفيل باستعجال الإدارة الأميركية تنفيذ تهديدها الناعم.

لجأ الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى تشكيل كتّلة ضغوط سلمية وديمقراطية، منها التلويح بإمكانية إعادة إجراء الانتخابات النيابية في كردستان العراق

حالياً، الحزب الديمقراطي الكردستاني جزء من اتفاقية استراتيجية غير مُعلنة مع الإدارة الأميركية، تقوم على أساس احتواء إيران ضمن العراق، ووجود مناطق خارجة عن سيطرة القرار الإيراني وأطرافه العسكرية المختلفة. ومع القواعد الأميركية في عموم كردستان، وافتتاح أكبر قنصلية أميركية في العالم في أربيل، فإنّ كل تلك المعطيات تُشكل خطراً على أكثر من دولة إقليمية في الجوار الكردستاني، وتهديداً مباشراً على أذرعها، بالرغم من صفرية التعدّيات من أربيل على أيّ جهة أخرى.

لم يكتفِ الحزب الديمقراطي الكردستاني بالمتابعة أو المشاهدة، بل لجأ أيضاً إلى تشكيل كتّلة ضغوط سلمية وديمقراطية، منها التلويح بإمكانية إعادة إجراء الانتخابات النيابية في كردستان العراق، بعد مرور عام على إجرائها وعدم الإعلان عن الحكومة الكردستانية، على خلفية الصراع الدائر حالياً، وإصرار الاتّحاد الوطني الكردستاني على استلام حقيبة وزارة الداخلية، والتي وفقاً للعرف الانتخابي ونسب التصويت والأحجام، لا تحقّ له المطالبة بها. إضافة إلى الزيارات المكثفة للكتل الشيعية المختلفة، علناً، أو سراً كما تقول نُخب تقود "الديمقراطي الكردستاني"، وتصب جميع تلك الزيارات في خانة نيل موافقة الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، على إسناد منصب رئيس الوزراء لأحداها، خصوصاً مع حصول "الديمقراطي الكردستاني" على ما يزيد عن مليون صوت بمفرده حزباً، وحصوله على مقاعد "الكوتا" المسيحيين والإيزيديين والكرد الفيليين في محافظات واسط، وشنكال، وأربيل، ودهوك، وكركوك. وتفوقه على الجميع في الموصل، وإنجاحه سيدة عربية ضمن قائمته، إضافة إلى فوزه بمقعد كردي ضمن محافظة ديالى. ويشكل ذلك كله ضغوطاً سلمية وتنظيمية على من يُريد جر الإقليم إلى مستنقع المواجهات والخراب.

الاشتباك بين واشنطن وطهران سيعود بتداعياته المباشرة على إقليم كردستان العراق، والعاصمة أربيل تحديداً

وفي تتمة مشهد الضغوط العنفية ضد أربيل، فإن مشاهد المواجهة التي أثبتت الاعترافات التي بثها جهاز أمن إقليم كردستان عن تورّط جهاتٍ عديدة بها. عبر حرق المقار الحزبية، والسعي إلى إحراق مراكز الكهرباء ومحطّاتها، وإطلاق النار على جهاز الأمن، على أمل أن يرد بالمثل، ومع قوع الضحايا "المأمول" من جانبهم، فذلك كان كفيلاً بإشعال نار الفتنة والمواجهة. إذ يرد في بعض مقتطفات ذلك الفيديو "أثبتت التحقيقات إنها امتداد لسلسلة مؤامرات تخريبية، جرى الإعداد لها مسبقاً: ضرب حقول الغاز ومصافي النفط ومحطات الكهرباء لإغراق محافظتَي أربيل ودهوك (حيث المعقل التاريخي للبرزانيين) في الظلام وقطع الكهرباء، والبدء بالضخ الإعلامي من محطات ووسائط تواصل اجتماعي لأطراف محرّضة للتظاهرات ضد الحكومة، على أمل أن تكون كفيلة بتوترات ومواجهات عسكرية، يتطلب تدخّل قوات عسكرية أخرى والهجوم على الإقليم"، فيظهر شخص في أحد مقاطع الفيديو التي نُشرت عبر "فيسبوك"، وهو يحمل قطعة سلاح أر بي جي، ويهدّد بحرق محطة الكهرباء. ومن ضمن اعترافاته "أنه تلقى طلباً من أحد أقاربه للتعاون مع كتائب سيد الشهداء التابعة للحشد الشعبي، للقيام بتلك الأعمال التخريبية". تبعته حلقة جديدة عبر اعتراض بعض أهالي محافظة واسط على نجاح عضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني، عبر "كوتا" الفيليين، إذ خُصّص لهم مقعد واحد في محافظة واسط، مع شمول كل مواطني العراق بالتصويت له. وهو ما جعل "الديمقراطي" يحصد المقعد، وبل كان المرشّح الذي صوّت له الرئيس مسعود البارزاني. والهدف من تلك التظاهرات، كسر شوكة الديمقراطي، وتقليص مقاعده، وتحجيم أدواره في البرلمان المقبل، ممثلاً شرعياً عن المكونات الدينية والقومية.

لافتٌ في الأمر حدّية تعامل بضع أشخاص من السوريين "رواد السوشيال ميديا" مع الأحداث في أربيل، من زاوية الانتفاضة الشعبية ضد "الديمقراطي الكردستاني"، وهو الإقليم الذي احتضن أكثر من مليون سوري، ولم يشهد اللاجئون السوريون في سنوات مكوثهم في الإقليم أي حالات إجبار القاصرات على الزواج، وطردهم من المدارس، ومنعهم من العمل، وخطاب كراهية وتنمّر، وتشنجات من المجتمع المحلي ضد الوافد، على خلفية أعمالهم في التجارة وافتتاح المطاعم وما شابه. وهي حالات تكرّرت في أغلب دول اللجوء للجوار السوري. لكن تلك الحملة الإعلامية المترافقة مع سلسلة الأحداث تقود إلى سؤال جوهري واحد: ما علاقة تلك الأصوات السورية، والتي كانت تنشط ضد النظام خلال سنوات الثورة السورية، ونشاطها الواضح ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) خصوصاً بعد التحرّر من نظام الأسد، بما جرى في الإقليم؟ وإذا علمنا أن ما تُعرف بكتائب سيد الشهداء التابعة للحشد الشعبي المدعوم من إيران هي المتّهمة الأولى في تلك الأحداث؟

الرسائل الإيرانية واضحة لكل من يسعى أو يصطفّ مع أيّ طرف يرغب بتفكيك "الحشد الشعبي"

الهدف الآخر من كل تلك الهجمات إثبات أن حكومة مسرور البارزاني عاجزة عن إدارة الإقليم، خصوصاً وأن اكتفاء الاعتماد على الغاز والنفط، قطاعَين وحيدَين للاستثمار والتنمية، إنما يضع الإقليم في خطر المواجهة دوماً. وقد أعاد هذا المشهد إلى السطح حقيقة خطرة: اعتماد الإقليم شبه الكامل على الطاقة وحدها، يجعله هشّاً أمام أيّ استهداف أو تقلبات سياسية واقتصادية، فالضرر لم يقتصر على الطاقة، بل امتدّ ليصيب حياة الناس وخدماتهم الأساسية. ولعلها النقلة التي توجّهت إليها الحكومة في الإقليم عبر الاعتماد على الزراعة والطاقة البديلة للكهرباء.

تطرح تلك الأحداث سؤالاً مصيرياً: هل يمكن لكردستان أن تبني اقتصاداً لا ينهار بمجرد توقف حقول الطاقة؟ الجهات التي تقف خلف هذه الهجمات تراهن على إحداث فجوة بين المواطن وحكومته، خصوصاً مع حساسية المرحلة السياسية المقبلة في الإقليم. لم يعد التنويع الاقتصادي خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وجودية، فإلى جانب تعزيز أمن الطاقة وحماية الحقول، هناك توجّه إلى توسيع الاستثمار في الطاقة المتجددة والقطاعين الزراعي والصناعي، بما ينشئ فرص عمل جديدة، ويمنح الإقليم موقعاً تفاوضياً أقوى أمام الأطراف الأخرى. ولعل أخطر ما تخشاه الجهات المحرّضة للعنف ضد الإقليم احتمالية حصوله أربيل على مضاد طيران؛ وهي النقلة النوعية الأكثر تحصيناً للإقليم إنْ حصلت.

قصارى القول: لن تتورّع طهران عن التدخل، على نحوٍ مباشر أو غير مباشر، لتضع هي الأخرى أمام العراقيين طريقين لا ثالث لهما، على شاكلة الطرح الأميركي، الفوضى أو إثارة القلاقل، والمزيد من التشنجات ضمن الإقليم، أو حماية مصالحها والفصائل العسكرية المرتبطة بها. وفي الحالتين، هي عرقلة تنفيذ ما تريده واشنطن. والرسائل الإيرانية واضحة لكل من يسعى أو يصطفّ مع أيّ طرف يرغب بتفكيك "الحشد الشعبي"، والذي يشكل قوة عقائدية تمثل خط الدفاع الأول لإيران. والواضح أيضاً أن الاشتباك بين واشنطن وطهران سيعود بتداعياته المباشرة على إقليم كردستان العراق، والعاصمة أربيل تحديداً. وثمّة كثير من السوء الذي سيلحق بجميع العراقيين.