ضرب الأوهام الإسرائيلية

ضرب الأوهام الإسرائيلية

15 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

"... إن اعتراف الأمم المتحدة هذا بحق الشعب اليهودي في إقامة دولة هو اعتراف يتعذّر الرجوع عنه أو إلغاؤه"، "... سوف تضمن (دولة إسرائيل) حرية الدين والعقيدة واللغة والتعليم والثقافة، وسوف تحمي الأماكن المقدسة لجميع الديانات، وسوف تكون وفية لمبادئ الأمم المتحدة"، "... نناشد السكان العرب في دولة إسرائيل، وسط الهجوم الذي يشن علينا ومنذ أشهر، أن يحافظوا على السلام، وأن يشاركوا في بناء الدولة على أساس المواطنة التامة القائمة على المساواة والتمثيل المناسب في جميع مؤسسات الدولة المؤقتة والدائمة". هذه العبارات جزء من "وثيقة إعلان دولة إسرائيل" في 14 مايو/ أيار 1948، والتي تلاها ديفيد بن غوريون. تُظهر الوثيقة، التي وقّع عليها 38 شخصاً من أقرانه في حينه، مدى النفاق الذي يدّعيه الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من كل محاولات تنقية الصورة العنصرية. مواجهات عكا وحيفا واللد صورة مصغّرة عما يفعله الإسرائيليون. "قانون الدولة القومية لليهود" الذي أقرّ في 19 يوليو/ تموز 2018 يناقض جوهر الوثيقة نفسها. أما "حماية الأماكن المقدسة" و"الوفاء لمبادئ الأمم المتحدة" فنكتة سمجة، تسقط عند أول قنبلة غاز مسيّل للدموع تُطلق في المسجد الأقصى، وفي رفض المحتلّين تطبيق جميع القرارات الأممية، حتى التي تكرّس وجود الاحتلال الإسرائيلي عكس إرادة أهل الأرض، مثل القرارات المتعلقة بالعودة إلى حدود يونيو/ حزيران 1967.

عملياً، كان بن غوريون يظنّ أن إعلان وثيقته في ذلك الحين، وتسابق القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) على دعمه، مثل الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، كفيل بإنهاء مسار وبدء آخر. لكن التاريخ، وإن كان أخا الزمن بالتبدّلات والتغيير، لا يسمح بتمرير شيءٍ ناقص. الحسابات العالقة ليست في قاموسه، بل يؤجّجها حتى إشعار آخر، أو حصول أمر ما مختلف عن السلوكات أو التصرّفات السابقة. ظنّ الإسرائيليون أن الفلسطينيين المتروكين لأقدارهم بعد عام 1948 سيذوبون في أرجاء العالم، ويتحوّلون إلى شتاتٍ مماثل للشتات اليهودي. الأمر الذي لم يحصل.

بعد 73 عاماً، يقف بنيامين نتنياهو في الموضع نفسه الذي وقف فيه بن غوريون، في موقع المسؤولية، غير أن كل شيءٍ حوله ينهار. الفلسطينيون لم يخرجوا من أرضهم، بل اشتدّوا بأساً. التجاهل والقصف والحصار والاعتداءات، والوقوف عند الحواجز وطوابير العمل ونقاط التفتيش والتضييق على الحركة، ومراقبة كل فلسطيني، يعزّز غضباً دفيناً ينتظر لحظة ما لانفجاره. ولم تكن هذه المرة سوى بداية مرحلة جديدة، لن تكون لصالح الإسرائيليين، كما جرت العادة، بل ستُمهّد الطريق للفلسطينيين لرفع صوتهم سياسياً، بعدما نجحوا في تفعيل المقاومة الميدانية وتطويرها. من كان يتوقع أن يخرج الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفيلن، داعياً إلى "وقف الجنون"؟ من كان يتصوّر لحظة أن تتحدّث وسائل الإعلام الإسرائيلية عن "التعايش بين اليهود والعرب في إسرائيل"؟. مع العلم أنه منذ بضعة أسابيع كانت الشرطة الإسرائيلية تُساهم في تدهور الوضع الأمني في البلدات العربية.

هذه اللحظة تاريخية، وحتى أنها تجاوزت انتفاضتي 1987 ـ 1993 و2000 ـ 2005، معزّزة بتطوّر عالمي في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. مجرّد القول إن الصواريخ الفلسطينية قادرة على الوصول إلى كل منطقة في فلسطين المحتلة، وإثبات ذلك ميدانياً، يعني أن أي حراك سياسي، إذا حصل، سينطلق من هذه النقطة. ما تكسبه على الأرض سيعزّز موقفك على طاولة التفاوض. من كان يظنّ من الإسرائيليين أنه في 15 مايو/ أيار 2021، وفي ذروة "صعودهم" الاقتصادي والعالمي، وتحوّلهم إلى قوة نفطية وعسكرية، سيقف أصحاب حق للمطالبة بما سُلب منهم. وليس هذا فحسب، بل ينالون تعاطفاً عالمياً قلّ نظيره، وربما لم يحصل عليه سابقاً سوى اليهود أنفسهم بعد محرقة الهولوكوست النازية ضدهم. الأكيد أنه سيقال يوماً: إن حيّاً في القدس المحتلة أعاد إشعال جذوة المقاومة الفلسطينية.