ضبع يقتل ويكره الحرب

ضبع يقتل ويكره الحرب

20 مايو 2021
الصورة

(مروان قصاب باشي)

+ الخط -

المنقلب لا يأتي من هذا الطريق، طريق الشرف، لأنه يعرف كيف جاء، ولذا يسلك كل الطرق، إلا هذا الطريق. الحرب واضحة، والمنقلب لم يأت نهارا، بل جاء بعد غروب الشمس بآلة قتل خفيّة وغير معلنة. الحرب نزيهة، مثل صندوق الانتخابات الذي لا تلعب فيه العصابات ليلا، ولكنها صندوق الشجاعة، والمنقلب لم يأت من حيث تبدأ الشجاعة، ولكنه جاء من حيث تختمر الخيانات في الصدور.

الحرب تأتي هكذا تلبيةً لإقرار حقٍّ بعدما سدّت كل الطرق، والمنقلب جاء من حيث الطرق المسدودة، حيث تصدّر المشهد ليلا من خلف رصاصاتٍ لا تسمع لشجاعتها صوتا أو ابتهاجا، بل حقد مكمور في سواد الصدور، فكيف يظهر على الناس فجأة بالطرق الواضحة.

المنقلب جاء بالوقيعة، والحرب لا تعتمد الوقيعة، بل شجاعة القصد والشهادة. المنقلب فقط يقتل أو يشنق في غبشة الليل أو الأحداث أو ازدحام العالم بالمصاعب والمصائب والمحن أو يغتال، والحرب معلنة، وتحمل علما ولها صوت نفيرها.

للحرب وجه واحد، وللمنقلب وجوه عدة، ولا ينفع أيّ من وجوهه لأن يكون محاربا، لأنه يعرف أن كل وجوهه التي حملها لم تكن سوى مخاتلاتٍ أمام الخصوم، كي يتصدّر المشهد وحده. الحرب تحتاج الجميع، والمنقلب يريد نفسه، ويخاف على الكرسي، ويخاف من عقاب الدم، لأن الحرب تفكّ عقال المظلومين في ساحات الحرب. ولذا لن يدخل المنقلب أي حربٍ سوى حروب الضباع التي تتم غيلةً على مغنم أو جثة بلد صغير، من خلال دحالينه وحفاتره، من أجل ضمان الولائم لصغار الجند.

المنقلب "عفي"، فقط على مساكين شعبه من المسالمين، وممن لم يلمسوا طلقات البنادق، إلا في الأحلام أو الأفلام، ولكنه، في الوقت نفسه، يخاف من شرف حمل السلاح، لأن السلاح يهزّ عروش الطغاة، إن وصل إلى الشعب وصار هينا، وهو لا يخاف على شيء أكثر من الكرسي، فكيف يحارب من جاء خلال "الأنفاق"، ويعلن، في شجاعة، الحرب؟ المنقلب مهووس بالمشاريع على "الماكيت"، والجلوس أمام جمع صامت يستمع للشرح، شرحه، أو تعليقه، وأحيانا يكون فقط هو المهيمن على كل أطراف الحديث، حديث الرعب والتهديد، وتجهيل الشعب مسلكه، لأنه وحده الذي يعرف فقط ما في الأعماق وما وراء الأعماق، وبقية الحضور في صمت مهيب وكأنه يحلب من الحكمة الربانية حلبا من لبان ضرعها. المشاريع الوهمية عربون تثبيت عرشه، عرش يراه ليلا في كوابيسه يهتز، فيثبت كل يوم مئات اللافتات التي تحمل الإشارات إلى الطرق المؤدّية إلى تلك المشاريع، وينصب صوره الكبيرة جدا على أبواب الإدارات التعليمية والفنادق والقصور المهجورة التي تنتظر هدمها لبيعها كعقارات غالية.

صور بالمئات فوق الكباري والمزلقانات، وفوق أبراج رجال الأعمال وشركات القطاعين، العام والخاص. صور بالنيون في سماء البلاد، وفوق الأبراج وفنارات الموانئ ومداخل المطارات حتى أسواق الجملة، حتى المجمّعات الاستهلاكية، حتى سوق العبور لبيع الخضروات والأسماك والكرّاسات واللحوم والدجاج، حتى المقاهي وواجهات المجالس المحلية للمدن، والعزب، والكفور، والنجوع.

المنقلب يخشى أن تنقلب قرية من آلاف تلك القرى، لأنه يحلم أن يربط كل جغرافيا الوطن من أسوان إلى دمياط بشبكة مواصلات "كده"، يصل إليها في ست ساعات فقط، بفضل الله في أي عيد، سواء أكان الفطر أم الأضحى أم حتى شم النسيم. المنقلب يخاف من الجموع في الملاعب، وخصوصا ملاعب كرة القدم، وحوّل اللعبة إلى "أتاري"، ما بين الحكّام والفريقين والفار وجهازي التدريب، وشيكابالا يشتم، وخمسون من الجمهور يرد، أو الجمهور يشتم وشيكابالا يرد بحركاتٍ وقحة، كي يستمر الشعب بعيدا عن مركب الحكم أو السلطة. أما تداولها فحلم بعيد المنال، وهو هناك يقود في أمان، ويبني القصور بعيدا عن أحزابٍ ماتت، ودستور تم تكفينه في المهد، وجامعاتٍ تحولت إلى قاعات للمدائح النبوية وتوزيع الدرجات على الطلبة المطيعين.

المنقلب هو الدستور وهو البرلمان وهو حقوق الإنسان وهو الجيش وهو الشرطة وهو المجلس الأعلى للقضاء، وكلامه فقط هو المصدّق "ما تسمعوش لحد غيري". المنقلب هو كل شيء، هو الذي ينهي خدمات القضاة، وينتج المسلسلات والأفلام و"تترات" التلفزيون، وهو الذي يبيع الشاي والسكر والكراسات والشيح والكمون أمام مراكز الشرطة.