"صوت هند رجب"... المقاومة بالسينما

01 يناير 2026

من فيلم "صوت هند رجب" (مؤسسة الدوحة للأفلام)

+ الخط -

لا يقدّم فيلم "صوت هند رجب" حكايةً بالمعنى السينمائي التقليدي، ولا يسعى إلى بناء دراما مكتملة العناصر أو إلى استرضاء توقّعات المشاهدة المألوفة، بل يختار، منذ لحظته الأولى، أن يقف في منطقة أشدّ قسوةً وصدقاً: منطقة الشهادة. نحن لسنا أمام فيلم يُروى، بل أمام صوتٍ يُستعاد، وأمام زمنٍ معلّق بين الرجاء والموت، وأمام طفولةٍ تُترك وحيدة لتواجه مصيرها، فيما العالم كلّه على الخط… يسمع، ويراقب، ثم يصمت.
في هذا العمل، الذي أنجزته المخرجة والسيناريست كوثر بن هنية في عام 2025، لا تُعامَل مأساة هند رجب بوصفها مادّةً دراميةً قابلةً للتصرّف الفنّي الحر، بل أمانةً أخلاقيةً ثقيلةً لا يجوز التلاعب بها. لذلك يتخلّى الفيلم، بوعيٍ شجاع، عن كل ما يمكن أن يُفهم بوصفه استثماراً في الألم: لا إعادة تمثيل للمجزرة، ولا محاكاة بصرية للقتل، ولا موسيقى تُلطّف الوجع أو تُدجّنه. ما يُترك لنا هو الجوهر العاري للفاجعة، كما حدثت، وكما سُجِّلت، وكما عاشت في صوت طفلة لم تملك سوى الهاتف لتدافع به عن حياتها.
اعتماد الفيلم، المرشّح لعديد من الجوائز العالمية، على الصوت الحقيقي لاتصال هند ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو قرار أخلاقي حاسم. هذا الصوت غير المُعاد إنتاجه، غير المُؤدَّى، يفرض صدقه القاسي على الصورة، ويكسر المسافة الآمنة التي اعتادت السينما أن تمنحها للمتلقي. نحن لا نصغي إلى أداء، بل إلى حياة في لحظاتها الأخيرة، إلى خوفٍ حقيقيّ، وإلى براءةٍ تستنجد ولا تجد سوى الصدى. هنا، يتحوّل الصوت إلى شاهدٍ لا يُدحض، وإلى دليل إدانة لا يحتاج إلى خطاب أو تعليق.
اختيار الفضاء المكاني للفيلم، المحصور داخل مقرّ عمل الإسعاف، يكشف عن وعي سينمائي بالغ الدقّة. المكان الذي يُفترض أن يكون بوابة النجاة يتحوّل إلى مسرح للعجز، وإلى حيّز خانق تتراكم فيه المكالمات، والإجراءات، ومحاولات التدخّل التي لا تكتمل، فيما الموت يعمل في الخارج بلا توقّف. الكارثة لا تُرى، لكنها تُسمع، ويُحسّ بثقلها في كل دقيقة تمرّ، حتى يتحوّل الزمن نفسه إلى أداة قتل بطيئة.
الكاميرا المهتزّة، غير المستقرّة، لا تبحث عن جمالٍ بصريّ مريح، بل تُحاكي اختلال العالم نفسه. الصورة لا تثبت لأن الحياة لم تعد ثابتة، ولا تستقرّ لأن الأمان صار فكرة مؤجّلة. كل شيء في الفيلم يوحي بالهشاشة، وبأن النجاة احتمالٌ ضعيف أمام آلة عنف لا تُبقي للبراءة فرصة.
وفي هذا البناء الأخلاقي الدقيق، لا يمكن إغفال أداء فريق التمثيل، الذي يقدّم واحداً من أكثر أشكال الأداء تواضعاً ونُبلاً في السينما المعاصرة. الممثّلون هنا لا يتقدّمون إلى الواجهة، ولا يسعون إلى إبراز مهاراتهم، بل يختارون، بوعيٍ صارم، التراجع خطوة إلى الخلف كي تتقدّم الحقيقة. كل نظرة، وكل حركة، وكل صمت يبدو محسوباً بميزانٍ أخلاقيّ حساس، كأن الأداء نفسه يخشى أن يعلو على صوت هند الحقيقي. هذا التمثيل المتقشّف، المنضبط، الخالي من الاستعراض، لا ينافس الصوت، بل يحرسه، ويحيط به، ويمنحه المساحة الكاملة ليبقى مركز الثقل الإنساني للفيلم. وهنا تحديداً تتجلّى شجاعة الممثلين: في قدرتهم على الحضور من دون ادّعاء، وعلى التأثير من دون لفت الانتباه إلى الذات.
وفي المشهد الختامي، حيث يدمج الفيلم بين الشخصيات الحقيقية وأولئك الذين أدّوا أدوارهم، يتم هذا العبور في نعومةٍ لافتة، بلا فاصلة حادّة بين الواقع والتمثيل، وبلا إعلان مباشر يُغلق الحكاية. السينما هنا تعترف بحدودها، وتنسحب خطوة إلى الخلف احتراماً لما لا يمكن تمثيله كاملاً. إنها لحظة تواضع أمام الحقيقة، وذكاء فنيّ في آن واحد.
أمّا ما حدث لهند رجب، فهو ما يعرفه العالم كلّه ويتهرّب من تبعات معرفته: طفلة فلسطينية حوصرت داخل سيارة، استنجدت بالإسعاف، وبقي صوتها على الخطّ طويلاً، قبل أن تُترك لمصيرها، ويُعثر عليها لاحقاً شهيدة. الفيلم لا يعيد سرد الحدث، بل يعيد إليه ثقله الإنساني، وينتزعه من لغة الأرقام والبيانات، ليعيده إلى مكانه الطبيعي: مكان الفجيعة التي لا يجوز الاعتياد عليها.
الأهم في "صوت هند رجب" أنه يرفض تشييء الضحية، ولا يحوّلها إلى أيقونة جاهزة للاستهلاك العاطفي. هند لا تُحمَّل رموزاً أكبر من جسدها الصغير، ولا تُستخدم بوصفها استعارة خطابية. إنها طفلة، لا أكثر ولا أقل. وهذا وحده كافٍ. فالطفولة، حين تُقتل، لا تحتاج إلى بيان سياسي كي تُدين قاتلها؛ يكفي أن تُعرض كما هي، بصوتها المرتجف، وحقّها البسيط في الحياة.
قد يختلف النقّاد حول الإيقاع أو التقشّف السردي، لكن ما لا يمكن الاختلاف حوله هو ضرورة هذا الفيلم. ففي زمنٍ يُعاد فيه إنتاج القسوة يومياً، ويُطلب من المرء أن يعتادها، يصبح الفنّ أحد آخر أشكال المقاومة الممكنة: لا الفنّ الذي يجمّل الألم، بل ذاك الذي يصرّ على مواجهته، وعلى إبقائه حاضراً في الذاكرة، وعلى منع تحوّله إلى خبرٍ عابر.
"صوت هند رجب" ليس فيلماً يُشاهَد ثم يُنسى، بل شهادة تُقيم طويلاً في الوجدان، وتطرح سؤالاً أخلاقياً لا مهرب منه: ماذا يعني أن تكون إنساناً، حين يُترك صوت طفلة يتلاشى على الخطّ، فيما العالم كلّه قادر على السمع، وعاجز عن الفعل؟
بهذا المعنى، حضرتُ أحد عروض الفيلم الكثيرة والناجحة في عديد من قاعات السينما في الكويت أخيراً، بدعوة من رابطة "شباب لأجل القدس" في الكويت، على اعتبار أن حضور الفيلم ومشاهدته والكتابة عنه ليس فعلاً ثقافياً فحسب، بل موقف أخلاقي، وشكل من أشكال المقاومة. مقاومة بالسينما، وبالذاكرة، وبالانحياز الواضح لفلسطين.

CC19B886-294F-4B85-8006-BA02338302F0
سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية، من مجموعاتها الشعرية "ليل مشغول بالفتنة" و"مجرد امرأة مستلقية"، ولها مؤلفات نقدية وكتب للأطفال. فازت بعدة جوائز، وشاركت في مهرجانات ومؤتمرات عدة.