صناعةُ التاريخ وأنف كليوباترا

09 يناير 2026

منحوتة رومانية لرأس كليوباترا (ويكيبيديا)

+ الخط -

إلى حدود القرن السادس عشر، كان الفرنسيون يعتقدون، اعتقادَ حقيقةٍ لا جدال فيها، أنّهم من سلالة فرنكوس بن هكتور الذي فرّ من حصار طروادة، وأن العاصمة الفرنسية سُمّيت على اسم باريس بن بريام، أمير طروادة، وأن الطرواديين بنوا المدينة الفرنسية تروا، وأن النبي محمّداً كان كاردينالاً غضب لعدم انتخابه بابا، فصار ملحداً، وأقام ديناً جديداً، وأنّ يهوذا قتل أباه ليتزوج أمه..."، كما روى الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه "فلسفة التاريخ".

من المفهوم أن يضم التاريخ مغالطات كثيرة، في غياب مصادر موثوقة آنذاك، لكن المشكلة متواصلة في التاريخ المعاصر لتغطية حقائق كثيرة تستعصي رغم وجود كثرة وسائل التواصل والكشف. والمغالطات متواصلة أيضاً عمّن يصنع التاريخ. عندما يقول كثيرون عن شخصية استبدادية ودموية ماتت أو أُطيحتْ: إلى مزبلة التاريخ. فهم يعكسون الواقع، لأن "الأشرار"، المتفق على أنهم أشرار إجمالاً، لا ينساهم التاريخ ويرميهم إلى العدم، بل هُم من يصنعونه.

جلّ بطولات الأخيار وأمجادهم في العالم كانت ردّاً على شر "الأشرار". المقاومون والمناضلون الذين صاروا نماذج بطولية بعد استعمار بلادهم من طرف المحتل "الشرّير"، والمناضلون ضد الاستبداد والعبودية ظهروا بعد بطش الدكتاتوريات الدموية، واستعمار بلدانهم. الأخيار الوحيدون الذين يصنعون التاريخ هم لاعبو الكرة، ويصدُق فيهم قول المعلّقين، على كثرة مبالغاتهم. وغيرهم من الرياضيين، الذين صاروا أبطالاً من غير قمع أو احتلال.

ألم يصنع هتلر بطولات الأوروبيين في النصف الأول من القرن العشرين؟ أليس الاستعمار المباشر وغير المباشر من أخرج لنا محمد بن عبد الكريم الخطابي وتشي جيفارا وجميلة بوحيرد وغيرهم؟ أليست إسرائيل من أنهضت مراكز المقاومة في التاريخ، وأظهرت بطولات نساء ورجال وأطفال كانوا سيعيشون حياة عادية لولا الاحتلال المجرم؟

الأشرار لا ينساهم التاريخ، لكن غالباً ما يُصنّفهم في خانة الأشرار. رغم أنه ليس أميناً دوماً، في ذلك، فكثيراً ما يكتب هؤلاء الأشرار تاريخ بعض الأحداث والمراحل، ولا يُصنّفون بالضرورة كما هم: أشرار. تاريخ إسرائيل لدى الغرب هو التاريخ الذي كتبته هي، لا ما يحدث في الحقيقة، الإبادة الأخيرة واجهت الحقيقة فيها رواية مُحكمة الحبكة عن "شعب مظلوم" استعاد أرضه. وكل الدم الذي يُسفك هو دفاع عن الأرض، وعن أرواح الإسرائيليين "الأبرياء" الذين يريد "الإرهابيون الفلسطينيون" قتلهم وسرقة أراضهم.

وكما صدّق الفرنسيون الخزعبلات السّابقة بحسب رواية لوبون، يُصدق غربيون الرواية الإسرائيلية ويُدينون "الإرهاب الفلسطيني". ويقولون بكامل قواهم العقلية: لماذا لا يبحثون عن وطن بديل؟ فليهاجروا، ويتركوا المنطقة بسلام؟

لوبون يضيف إلى ما سبق، أن الأسلاف في القرون الوسطى "كانوا يُعدّون من الحقائق جميع الأوهام التي يرونها، وكان لديهم من الاستعداد العجيب ما يستخرجون به من أي نص أبعد التفاسير عن الحقيقة وما يبينون به أدعى المستحيلات إلى الدهشة". وأورد نموذجاً فرنسياً آخر، للنخبة فالفيلسوف الفرنسي، بليز باسكال أكد أن "العالم كان ليتغيّر لو كان أنف كليوباترا أقصر مما هو عليه". ماذا كان على كليوباترا أن تفعل بأنف أفضل ووجه أجمل في عصور العبودية حيث يمكن للرجال امتلاك كل ما قدروا عليه من النساء جواريَ في حاشيتهم؟ ولا علاقة لأنف كليوباترا بأنف بينوكيو الذي استطال هنا لكثرة الكذب، ولو كان التاريخ طفلاً خشبياً لاستطال أنفه حتى يلف الكرة الأرضية.

مع ذلك، يعتبر موقف باسكال فريداً هنا، لأن الغربيين أشاعوا صورة مزيفة تُظهر امرأة شديدة الجمال تستجيب لمخيلة الغرب عن نساء الشرق، وإلا لما ترك أنطونيو الرومانيات الأوروبيات من أجل امرأة متواضعة الجمال. التاريخ يجب أن يُدغدغ مشاعر الفئة الأقوى ويستجيب للحاجة إلى رواية تخدمها. واختيار إليزابيث تايلور لتمثيل دور كليوباترا، وهي النموذج الأكثر فرادة في الجمال، كما صورها الفنانان الفرنسيان أوجين دولاكروا ولوي غوفري.

وهو الجمال الذي صوّرته لوحات الفنانين الأوروبيين في عصر النهضة، في القرنين الثامن والتاسع عشر، مثل جون ليون جيروم، جيوفاني باتيستا تيبولو، جويدو ريني، لورينس تديما، ألكسندر كابانل، جون وليام واترهاوس الرومانسي الذين قدّموا صورة إغريقية لكليوباترا.

عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
رئيسة قسم الثقافة في "العربي الجديد"، صحافية وشاعرة مغربية.
عائشة بلحاج