صفقة الجزّار والخراف

صفقة الجزّار والخراف

24 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

لم أعد أتعاطف مع الخراف، سيما في مجازرها السنوية، منذ قرأت عبارة "الأسد مجموعة خراف مهضومة"، فقد اقتنعت بأن أدوارها في الحياة لا تتعدّى أن تكون محض وجبات شهية لأكلة اللحوم.

تثير الخراف، تحديدًا، حنقي كلما رأيتها في كرنفال الذبح السنوي، مكدّسة في حظائرها، بانتظار سكّين الجزار، وكثيرًا ما أتساءل: لماذا لم تطور هذه الكائنات وسائل دفاع ذاتي أو جماعي عن نفسها منذ فجر التاريخ؟ من المعروف، علميًّا، أن ثمّة كائنات أخرى فعلت ذلك وتفعله، ومنها الحرباء مثلاً، لكن الخراف، هذه الكائنات المسالمة إلى أبعد الحدود اعتادت القبول بدورة حياتها المتكرّرة، من الولادة إلى التسمين فالذبح، من دون أن تفكّر، مرة واحدة، عبر نسلها الدامي بالتمرّد على هذا المصير.

ربّ مجيبٍ إن هذه الكائنات ذات عقل محدود، لا تتراكم لديها الخبرات، ومن ثم هي لن تعتبر من تجارب أجدادها، وستكون السكين مفاجأة متكرّرة لها، حتى لو حزّت عنقها ملايين المرّات، غير أني أشعر، على العكس من ذلك، أنها تدرك مصيرها، ولديها رصيدٌ كاف من الخبرة التي تؤهلها لمعرفة خاتمتها جيدًا، غير أنها اختارت أن تعقد صفقةً غير معلنة مع الجزّار، أهمّ بنودها "الموت المؤجل"، بمعنى أن يسمح لها الجزار بالعيش بضع سنوات، مقابل لحمها، ودليل ذلك، تلك الطمأنينة السادرة على حظائر الخراف، حتى وإن كانت فصول "المجزرة" دائرة الرحى إلى جوارها، بل تشارك البشر النظر بفضولٍ إلى رفاقها المعلقين على الخطاطيف ودماؤهم تقطر من مقدمة أعناقهم التي ارتاحت من عناء الرؤوس. وفي الأغلب، لا تُبدي أي مقاومة أو اعتراض، عندما يحين دورها، بل تستجيب بوداعةٍ بالغة، وكأنها تقاد إلى مرعى.

أدري أن ذلك ليس مسوّغًا كافيا لموقفي الصارم حيال الخراف، والحال أن كرهي لها (لا للحمها بالتأكيد)، ناجم عمّا أوحت به أخلاق قطعانها وسلوكها لجزّارين آخرين، في أساليب تعاملهم مع شعوبهم، من جهة، وكذا لما أوحت به للشعوب ذاتها من خبراتٍ جعلت نقطة الالتقاء بين الجزار والضحية ممكنة، وفق الصفقة غير المعلنة ذاتها.

أدرك الطغاة، مثلًا، أن بعض "الموت المؤجّل" مفيد للقطعان البشرية، لقاء الولاء المطلق بالطبع، على اعتبار أن الحياة هبة الحاكم للمحكوم، ومن حقه أن يستعيدها في أي لحظةٍ يشاء، سيما إذا راوده أدنى شك في صدق ولاء "الخروف". أما "المجزرة" فقابلة للاندلاع عند أي لحظة تفكير خارج على شروط الحظيرة، على غرار ما شهدته دول الربيع العربي من مجازر، عندما حاولت شعوب الحظائر التمرّد على صفقة "الجزار والخراف".

والغريب، أنه باستثناء محاولات الربيع الدامية، ظلّت الصفقة نفسها تحكم الطرف الضعيف فقط، وبقيت الشعوب وجباتٍ جاهزة لطغاتها، مسلوبة الجيوب والإرادة، وقد وطّنت منتهى أحلامها عند "الموت المؤجل"، فصار أقصى طموحها أن يمنحها الجلاد فرصةً إضافية للحياة لا أزيد، وستكون مدينةً بكل شيء لهذه "المنحة" السخية، على غرار محكومي الإعدام الذين يراوغون عند لحظة الموت، أملًا بالحصول على دقيقةٍ إضافيةٍ من الحياة المشرفة على النهاية.

استكانت شعوب الحظائر لهذا المصير، فلم تعد على استعداد للتمرّد، معتبرة الحاكم منقذها الوحيد من غضبه، وواهبها نعمة أن تبقى على قيد الحياة فقط، أما الكرامة والحقوق فترفٌ لا يليق بالخراف، ومنها من يدافع عن حاكمه وحظيرته كدفاعه عن حياته ذات الأجل المختوم على المذبح.

لا فرق بين حظيرتين إلا بالحتف. الخروف الأول يذبح مرة واحدة، والآخر آلاف المرات. ولا فرق بين أكلة اللحوم من الجانبين، فالأول، وهو الأسد أو "قطيع خراف مهضومة"، والثاني الذي لا يستحق هذا اللقب بالتأكيد، لأننا قلنا إن الغابة العربية هي الغابة الوحيدة التي يأكل فيها الضعيف القويّ، ومن ثم يمكن أن نصف الحاكم العربي (الخروف) بأنه أكداس من "الأسود المهضومة".