صعوبة "اتحاد الديمقراطيات"

صعوبة "اتحاد الديمقراطيات"

16 يونيو 2021
الصورة

(محمد عمران)

+ الخط -

تعكس معظم النقاشات والتصريحات والبيانات الصادرة ما بين كورنوال (حيث عُقدت قمة مجموعة البلدان السبعة جنوب غربي بريطانيا) وبروكسل (قمة حلف شمال الأطلسي) مدى صعوبة إنشاء معسكر منظّم في وجه تحالف آخذ في التجذر على الجبهة الصينية ــ الروسية. اقترح جو بايدن اسماً لمشروع مستوحى من أدبيات الحرب الباردة: "اتحاد الديمقراطيات". في المقابل، الصين وروسيا لم تقترحا شيئاً، ذلك أن "تحالف الديكتاتوريات" قائم بالفعل بينهما، وهو اسم يفي بالغرض ويكتنز كل المعاني. قد تكون أكثر عبارة ترددت ما بين القمتين أن "لا أحد يريد حرباً باردة جديدة مع الصين أو روسيا" بل إن "الدول الديمقراطية تخوض تنافساً مع الحكومات الاستبدادية" ممثلة بسلطات الصين وروسيا. والحال أن بايدن ربما يريد حقاً إحياء حرب باردة ضد الصين وروسيا، وهو يعتبر أن البلدين دخلا في حلف حقيقي، ويدرك أن مواجهتهما اقتصادياً وسياسياً مستحيلة بشكل منفرد، تماماً مثلما كان يصعب أن تتفرّد الولايات المتحدة في صراعها ضد الاتحاد السوفييتي من دون الحلفاء في أوروبا وفي المحيطين الهادئ والهندي. ولاستعجال بايدن في إحياء حلف شمال الأطلسي بعنوان مواجهة الصين وروسيا، حدود، ذلك أن الرجل يرث حملاً ثقيلاً من ارتكابات دونالد ترامب ضد حلفاء أميركا. سبق للرئيس البرتقالي أن وصف أوروبا بـ"عدوة أميركا التي قد تكون أخطر من الصين نفسها". أما الحلف الأطلسي، فرأى فيه عبئاً مالياً لا طائل منه بما أن "أميركا أولاً". حتى إيمانويل ماكرون زايد على ترامب، ولم يوفر الحلف من هجائه، وكأنه محلل صحافي لا رئيس أحد أهم بلدان هذه المنظومة، فوصف العام الماضي "الناتو" بأنه في "حالة موت سريري". ثقة الحلفاء بأميركا بلغت حضيضاً خفف من كارثته فوز جو بايدن بالرئاسة. غير أن استعادة الثقة بعد أربع سنوات من فقدانها لا تحصل بكبسة زرّ، وهو ما ربما يتأخر بايدن في الاعتراف به مثلما تأخر ستة أشهر حتى يجري أول زيارة خارجية له.

بقدر ما تقف الخلافات على المصالح وحول النظرة إلى الخارج ما بين الحلفاء عائقاً أمام نشوب مواجهة جديدة (باردة أو حامية) ضد الصين وروسيا، بقدر ما أن جمهوراً واسعاً من مواطني البلدان المعنية في مجموعتَي الدول السبع والحلف الأطلسي، يعارض ذلك بشكل حاد، وهو ما ظهر في تظاهرات مناهضة للقمتين في كل من بريطانيا وبلجيكا خرجت أثناء انعقاد الاجتماعات. العنصر الأكثر حسماً في تعقيد احتمال نشوء جبهة غربية حقيقية تخوض حرباً باردة جديدة، سياسية واقتصادية وربما عسكرية، ضد التحالف الصيني ــ الروسي، هو أن البلدان المعنية محكومة بضوابط كثيرة منها ما يتعلق بالإرادة الشعبية. مسؤولو بلدان مجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي، يستحيل عليهم القفز فوق إرادة ناخبيهم في شؤون تمسّ مصالح ناسهم مباشرة، وهو المعيار الذي لا يتوفر في معسكر بكين ــ موسكو. هناك، في عاصمتَي الشرق، يمكن رصد مقدار لا بأس به من الشماتة بعجز الغرب عن مواجهة تحالفهما لأن فئة وازنة من الرأي العام الأوروبي تعارض أي خطوة قد تنعكس سلباً على فواتير الطاقة في المنازل، وعلى أسعار السلع في الدكاكين. رأي عام مستعد لمعاقبة حكامه في صناديق اقتراعٍ بما لا يشبه مزاح انتخابات فلاديمير بوتين وحفلات تجديد البيعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الذي ينافس "وول ستريت" نفسها في رأسماليتها. هناك، في عاصمتي الشرق، يسخرون من اعتماد أوروبي على الغاز الروسي الرخيص والضروري لكسر برد القارة العجوز، ويدركون أن انتخابات أوروبية عديدة قد تأتي بشعبويين ويمينيين متطرفين حلفاء لموسكو ولبكين إلى السلطة في أكثر من مكان، كفرنسا مثلاً. ولهؤلاء الحكام في الشرق المظلم، يصفّق جمهور يسخر من ديمقراطية الغرب بدل أن يخجل من أحواله البائسة وأن يحزن على حرياته المنتهكة وحقوقه المهدورة. يسخرون ربما كتعبير عن الغيرة من الديمقراطية.

الديمقراطيات لا تمنع شنّ الحروب، لكنها تصعّب اندلاعها، وهذا من أفضالها علينا. المتيَّمون بأنظمة الحروب والقمع يحسبون ذلك ضعفاً، فالمجد للضعف في هذه الحالة.