صرخة عراقية: من قتلني؟

صرخة عراقية: من قتلني؟

30 مايو 2021
الصورة

مظاهرة احتجاجية في بغداد ضد الحكومة (25/5/2021/Getty)

+ الخط -

كانت بغداد وغيرها من المحافظات العراقية، في 25 مايو/ أيار الحالي، على موعدٍ متجدّدٍ مع التظاهرات السلمية التي تطالب بإسقاط النظام والعملية السياسية، إذ وصل آلاف من الشباب، في مقدمتهم النساء، إلى العاصمة، من تسع محافظات جنوبية، والتحقت بهم جموع من المحافظات الشمالية ومن المنطقة الغربية، توزّعوا على عدة ساحات كبرى، لكي تكون الاحتجاجات في أكثر من مكان، ولا يتم التجمع فقط في ساحة التحرير القريبة من المنطقة الخضراء، رافعين لافتات كتب عليها "من قتلني". وهذه الجملة ليست سؤالا تم رفعه من المتظاهرين، بل هي صرخةٌ مدويةٌ خرجت من أحشاء الغضب الذي عمّ المحافظات الجنوبية، بعد اغتيال الناشط ومنسق احتجاجات كربلاء، إياد الوزني، يرسلها العراقيون لحكومة المنطقة الخضراء ولرئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، لكي يعتقل القتلة والمجرمين المتسيبين من المليشيات التابعة لإيران وحرسها، والتي تعبث في كل شبر من العراق، قتلا واغتيالا وتدميرا وفسادا، فقد صرحت والدة الوزني، عبر قنوات تلفزيونية، بأن أحد قياديي الحشد الشعبي المعروفة جرائمه الكثيرة والعلنية من أهالي مدينة كربلاء، وممن له حظوة كبيرة لدى القيادات الولائية وممثلي الحوزة الدينية، قد قال لابنها قبل يوم واحد من اغتياله إنه سيقتله، ولو بقي من عمره يوم واحد، وصرحت عن اسم هذا الشخص. فمن قتلني؟

كان مشهد التظاهرات مهيبا ومؤثرا، لا يقل جمالا وتألقا إنسانيا عن مثله في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2019، فقد فاجأنا الشباب بوحدة الصف، وذكاء فرز المندسين والتنسيق واستراتيجية التعاطي مع كل ما حشده رئيس الوزراء الذي تفوّق على سلفه المقال، عادل عبد المهدي، صاحب تعبير "الطرف الثالث" باستخدامه الجيش وكل صنوف القوات الأمنية، لقمع المتظاهرين وقتلهم ليس فقط بالرصاص الحي، بل ملاحقتهم في مناطق واسعة من بغداد، وفي الشوارع المحاذية للساحات بالرصاص تارّة وبالسكاكين تارّة أخرى. لقد نفّذت القوات الأمنية الموجودة في ساحة التحرير تعليمات رئيس الوزراء، مقترفة بذلك مجزرة جديدة بحق الشباب المتظاهر سلميا، قتلت فيها سبعة شباب، وأصابت عشراتٍ بجروح لم يسلموا، بل تمت ملاحقة بعضهم إلى المستشفيات!

تظاهرات 25 أيار هي تجدّد لملحمة تشرين، يكتبها شباب العراق بدمه وعرقه وروحه

مرّة أخرى، يشاهد العراقيون أداء مزدوجا لرئيس حكومة المنطقة الخضراء، إذ في تغريدة له كتب: "دعمنا حرية التظاهر السلمي في العراق، وأصدرنا أوامر مشدّدة بحماية التظاهرات وضبط النفس ومنع استخدام الرصاص الحي، لأي سبب كان". لكن ما ظهر في ساحة التحرير وبقية الساحات التي توزّع عليها المتظاهرون، لتجنب فقدان الأرواح بينهم، أن رئيس الوزراء وكل قواته الأمنية قد بيّتوا القتل والقمع والرصاص للمتظاهرين من الشباب والنساء، وحتى المسنين الذين جاءوا لدعم أبنائهم وبناتهم، واعتدوا على بعض الأمهات المرافقات لأبنائهن؛ فمنذ الصباح الباكر، بدأ وصول الآلاف من المتظاهرين، وكانت الساحات مسوّرة بقوات الجيش وآلته العسكرية التي بقيت بعيدةً عن جرائم القتل مؤقتا، بأمر من المغتال قاسم سليماني الذي جرّدها منذ بداية الثورة من أسلحتها، لكي تنفذ مليشياته "بطولات القتل والاغتيال والاختطاف والتعذيب بشكل حصري"، وأيضا لعزل الجيش عن مساندة الشعب. لكن ومع هبوط الليل انسحب الجيش ليترك مهمة القمع الوحشي وإطلاق الرصاص الحي، والاعتداء بالسلاح الأبيض لقوات مكافحة الشغب التي تستعمل للمرة الأولى، بحسب الشباب، السكاكين لإرهاب المشاركين في التظاهرات. فهل من المعقول أن تتمرّد كل هذه القوات الأمنية وقادتها على أوامر القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء، وتتخذ قرار قمع التظاهرات وقتل المتظاهرين بصورة فردية وعشوائية؟ وإذا صح أن قادة القوات الأمنية قد تصرّفوا بشكل شخصي، فلماذا لا تتم محاكمتهم عسكريا، بتهمة عدم تنفيذ الأوامر، كما هو متعارف عليه في العرف العسكري، بدلا من تشكيل الكاظمي لجنة للتحقيق بما حدث؟ أما هذه اللجنة التي شكلت "بسرعة غير عادية" فهي أيضا غريبة، لأنها تتكون من عدة أطراف، من ضمنها ممثلون عن المليشيات الولائية التي لا تهدّد فقط وتصرخ بوجه الكاظمي، وتستهزئ به، برسائل وخطابات، بل توجه له الكلام صراحة بأنه لا مكان له بوصفه رئيس وزراء، وبأن قرار ذلك يعود لهم لا غير. هذا هادي العامري رئيس ما يسمى تحالف الفتح يرفع الصوت، ليحذّر مصطفى الكاظمي من "محاولات الالتفاف على القضاء"، معتبرا أن اعتقال "قاسم مصلح هو محاولة لكسر هيبة الحشد". ليس ذلك فحسب، بل يذهب العامري إلى أبعد، في تعنيف رئيس الوزراء، ويتهمه بعدم احترامه القانون والدستور، وتنفيذ اعتقالات بدون مذكرات قبض، وقيامه بعمليات تعذيب تعيد العراق إلى الدكتاتورية! فوق هذا كله وذاك، تأتي الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، جينين هينيس بلاسخارت، لتضع لمساتها الأخيرة على أداء حكومة المنطقة الخضراء والمليشيات الولائية، وتعبّر عن "قلقها"، قائلة في حديث لأحدى القنوات "استهداف أي جهة مسلحة "مجهولة" (طرف ثالث؟) المواطنين أو الأجانب، أمر ينبغي التفكير فيه جيدا"، معتبرة أن ذلك "يدفع البلاد إلى الهاوية، ويقوّض الدولة"، فهل يستوي تعبير الجهات المسلحة "المجهولة"، مع تقويض الدولة منها مثلا؟ من هو الذي يقوّض الدولة، عندما يتم اعتقال مجرم مثل المدعو قاسم مصلح بتهمة إرهاب، عقوبتها الإعدام أو المؤبد. وتستنفر الرئاسات الثلاث للتشاور بينها للتوصل إلى تسوية "تحفظ ماء وجه" ما تسمّى "الدولة" أمام الحرس الولائي والفقيه الإيراني، بينما مئات آلاف العراقيين الأبرياء اقتيدوا إلى المشانق، أو ما يزالون يقبعون في السجون من غير محاكمات، ولا توجيه اتهام، من دون أن يرفّ رمش واحد للرئاسات، عن أوضاع المواطنين المظلومين في سجون عمليتهم السياسية الإرهابية التي انقضت على العراق ودولته، لتمزّقه وتنهي وجوده؟

القتل والقمع والرصاص للمتظاهرين من الشباب والنساء، وحتى المسنين الذين جاءوا لدعم أبنائهم وبناتهم

حكومة الخضراء، ومن ورائها الاحتلال الأميركي الأطلسي الإيراني، هما من فكّكا الدولة، واغتالا العراق وأبناءه وكل رموزه الوطنية. هذا الاحتلال هو من يديم الفوضى والمليشيات والفساد، لإنهاء العراق ودولته، وتهجير شعبه وقتل المزيد والمزيد من أبنائه، يوما بعد آخر، لأن خطط التدمير جارية لم تتوقف بعد، وما يزال هناك خطط تُرسم وتنفذ وأجندات تحت التنفيذ مستمرة من أجل هذا الهدف.

تظاهرات 25 أيار هي تجدّد لملحمة تشرين، يكتبها شباب العراق بدمه وعرقه وروحه، يرافقه الشعب بكل فئاته، درعا وحضنا، فاتحا أبوابه للعطشان منهم وللملاحق والجريح والمطلوب بأوامر من رئيس الوزراء والمليشيات الطائفية، ليثبتوا أنهم عراق المعدن الأصيل بشموخه وإبائه وكرامته، هم من يريد الدولة والنظام والقانون والمواطنة والعدالة والكرامة والسيادة، هم الثورة وأمل تحرير العراق وأفق المستقبل الذي يطمح إليه كل الشعب من شماله إلى جنوبه، ومعه كل أحرار العالم.