"صحراء من دوننا"
يرفع المفكّر الفرنسيّ إيريك سادان، في كتابه الجديد "صحراء من دوننا" (ليشابي 2025)، صرخةً في وجه القرن الجديد، أنّ الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتهديد وظائفكم "بل يسرق أرواحكم". هل يخشى أن تحلّ الآلة محلّ الشاعر؟ أن تنكشف هشاشة الإنسان الذي توهّم أنه مركز الكون؟ منذ الصفحات الأولى، يتّضح أنّه لا يكتب عن التكنولوجيا، بل عن فشل الحضارة وإفلاسها. إنه يرى في الذكاء الاصطناعي الوجه الأخير لمأساة غربية بدأت يوم سلّم الإنسان عقلَه للآلة، ثم عاطفتَه للشاشة، ثم حريّتَه لنوع ماكر من الخنوع، يسمّيه رفاهية الراحة، لتتحوّل الحياة في تحليله إلى صحراء ناعمة، بلا عواصف ولا كوابيس. صحراء من الاستسهال، ميزتُها أنّها "خاليةٌ منّا"، وأن الرمال تدوّم فيها "من دوننا".
هل ينشأ هذا "التصحّر" عن التكنولوجيا حقًّا، أم أنّه قديمٌ فينا، نُخفيه منذ أفلاطون تحت أسماء مختلفة: الروح، الضمير، المعنى؟ ربما لم تصنع الآلة هذا الفراغ بل اكتفت بفضحه. يسمّي سادان هذا الانهيار «تصحّر الداخل». يقول إنّ الإنسان يفقد قدرته على الإبداع والحُكم ويصير متفرّجًا على وعيه الخاص. وقد يكون مصيبًا في ذلك. لكن منذ متى كان الإنسان "سيّد وعيه" أصلاً؟ ألم يركض دائمًا وراء أوهامه، مسلّمًا قياده لكلّ سلطة جديدة، من المعبد إلى المصنع، ومن المصنع إلى "التطبيقة"؟ ربما لم يغيّر الذكاء الاصطناعي طبيعتنا، بل اختصرها.
سادان غاضب، لأننا نترك للآلة التفكير مكاننا. لكن من قال إننا كنّا نفكّر فعلًا؟ لقد كانت الشعارات والأيديولوجيات والموضات تقوم بالمهمّة قبل أن تصل الخوارزميات. الفرق الوحيد أن المعلومة اليوم تأتي سريعة، والعبودية ذكيّة، والطمأنينة رقميّة. ومع ذلك، سادان على حقّ في أمرٍ جوهريّ: نحن نعيش عصر الخنوع العظيم. الآلة لا تستبدّ بنا بالقوة، بل تدلّلنا حتى ننام. تقوم بكلّ شيء عنّا: تحسب، تكتب، تترجم، تفكّر، تحبّ... لم يعد فينا ما يُطلَب منه الجهد. هكذا يتحوّل الإنسان إلى كائنٍ بلا مقاومة، بلا حاجةٍ إلى الشكّ، بلا صداعٍ وجودي. تلك هي الصحراء الحقيقية: عالم بلا معاناة فكرية.
يرى سادان أن هذه التحوّلات ليست ديمقراطية. وهو محقّ في ذلك. لم يُستشر أحدٌ حين قرّرت الشركات الكبرى أن تُبرمج وعينا الجماعي، ولا حين حلّ "الاقتراح الذكي" محلّ الإرادة. لكن السؤال الأعمق هو: هل نريد فعلًا أن نُستشار؟ هل نملك بعدُ الرغبة في الاختيار؟ الحقيقةُ المؤلمة أن الديمقراطية لم تُختطَف بل انتحرت من فرط "وهم" أو "مخدّر" الرفاهية. نحن الذين سلّمناها للتطبيقات لأن النقاش صار متعبًا، والجدل بلا طائل. فالخوارزمية لا تجادل، لا تصرخ، لا تتّهم أحدًا بالفساد أو بالخيانة. إنها تمنحنا راحة البال وبطاقة ولاء مجانية إلى مستقبلٍ بلا وجوه.
يخاف سادان من أن نُبَرمج عاطفيًّا، وأن نصبح مجرّد روبوتات "يُوجَّه وعيها من الداخل". لكن ألا يحدث هذا منذ زمنٍ طويل؟ منذ الإعلانات الأولى التي علّمتنا كيف نرغب، ومنذ التلفاز الذي صاغ ذوقنا في الحبّ والموت؟ ليس الذكاء الاصطناعي انقلاباً. إنّه النسخة المحدثة من الإنسان القديم، ذاك الذي يريد أن يعيش بأقلّ جهد ممكن. ومع ذلك، لا يمكن إنكار حدّة التحذير: حين تكتب الآلة قصيدة، وتؤلف مقطوعة، وتفسّر العالم بلغةٍ محسوبة، تُصبح الذات البشرية بلا وظيفة واضحة. ما الحاجة إلى الخيال إذا كان يمكن توليده بضغطة زر؟
مع ذلك ربما علينا ألّا نخاف من فقدان الوظيفة، بل من فقدان اللذة. لذة التردّد والخطأ والتفكير البطيء. إنها، من حسن الحظّ، لذة لم تفهمها الآلة بعد. لذلك يقدّم سادان نفسه على أنه مقاوم أخير، ويدعونا إلى الالتحاق بصفّ هذه المقاومة الجديدة، إلى استعادة حواسّنا والقراءة والتأمّل والبطء. هل تكفي هذه الطقوس الصغيرة لمواجهة إمبراطورية الخنوع والراحة الفائقة؟ أم أننا نحارب إعصاراً بالقصائد؟ ثمّة في تشاؤم سادان وميض شجاعة. فهو، على الرغم كلّ شيء، يؤمن بأن الإنسان قادرٌ على الرفض، ولو بالحدّ الأدنى: أن يظلّ كائنًا قلقًا. إن القلق اليوم هو الشكل الأخير من المقاومة. وما دامت هناك يدٌ بشرية تكتب، وعينٌ تسهر، وقارئٌ يبتسم بسخريةٍ أمام هذه الكلمات، ما زال ثمّة ظِلُّ بشرٍ صغير، يؤكّد أن هذه الصحراء لم تخل منّا تماماً.