صالح العامري... و"بيوت وراء الأشجار"

27 نوفمبر 2025
+ الخط -

وسط الجمع العُماني لا تتبيّنه إلا بالجلباب والكمّه، وذلك من فرط اندهاشاته وتأملاته البعيدة وصمته وندرة كلامه في ما يخصّ أمر الشعر، أو الثقافة، أو حتى المعرفة بعموميتها، ووسط أهل مصر وتجمّعاتها، وهو من درس بجامعتها، لا تتبيّنه أيضاً، لأنه من النوع الذي يكتب ولا يقدّم دعاية أو أي تعريف بنفسه في أي مكان كان، هو فقط يجلس ويتأمل، ثم يمشي إلى حال سبيله كزائر خفيفٍ غير مهتمٍ بترك أي أثر.

هكذا عرفت صالح، هناك في مسقط وهنا في القاهرة صديقاً لطيفاً وغير معني بمشروع ما يكتبه أو ما ينتظره من الكتابة عامة، سوى التعلق بقراءة كتابٍ جميل، أو ابتسامة، أو رحلة جميلة إلى مكان. أما لو تخلى عن تحفظه العُماني كعادة أهل تلك البلاد، أو تخلى عن تحفظاته في جمع بمصر، فلن ترى منه إلا جانب ذلك البحر الكتوم وقد انفلت من كل تحفّظه، والجميل أنه يفعلها قليلاً جداً. وفي الصباح، يضحك مندهشاً ويتساءل في ارتباك: "وهل ذلك كله حدث مني يا الله؟"، ثم يعاود الضحك قبل أن يعود إلى صمته وارتباكه المعهودين.

يعمل صالح في الإذاعة من أربعين سنة، وأحياناً يترجم ترجمة عامة حتى تقاعد برغبته، ويزاول العمل القديم نفسه بهدوء كي يعيش يومه، بغير أي أطماع في شيء. أما الطموحات الأخرى فقد رماها صالح في البحر منذ سنوات طويلة جداً من دون أي ندم.

أتذكّر في أثناء عمله الإذاعي، حينما كان موظفاً، طلب مني أن أقنع الكاتب الراحل الكبير محمد البساطي أن يجري معه حواراً إذاعياً من مسقط على الهواء مباشرة. وأنا أعرف البساطي من النوع الذي يرتبك جداً حتى من حوار صحافي مع أي كان، فما بالك بحوار إذاعي، وهو المتحفظ جداً والبعيد جداً عن الهرج والمرج، ويكتفي فقط بالكتابة المهمّة في تاريخ السرد المصري، ثم ينشر فقط ما يكتبه بعدما تتم مراجعته، كـ"بيوت وراء الأشجار" (موضوع حديثنا)، و"صخب البحيرة"، وهذا ما كان، و"التاجر والنقاش"، و"المقهي الزجاجي"، و"أحلام رجال قصار العمر"، أما لو بحثت في أرشيف الإعلام العربي كله، فلن تجد حواراً في أي تلفزيون عربي مع محمد البساطي. ... المهم، لمحبّته لي وثقته أيضاً، وافق البساطي على الحوار.

ويحكي لي صالح في ما بعد، أنه بدأ مع البساطي بمقالاتٍ تهاجم الرواية بشراسة، فانقطع حبل الكلام من الراحل البساطي وساد ما بين الاثنين صمت ما، وظهرت توجّسات البساطي، وكاد أن ينهي الحديث مع صالح الذي قال فجأةً قرأتُ للبساطي كي أغيّر موجة الصمت والارتباك في صوت الراحل، ببعض كلمات قلتها أنا في الرواية من مقال لي، إذ به يعود إليه الهدوء ويعاود الكلام حتى انتهت ساعة البرنامج. وهكذا عرفت من صالح أن الكاتب الموهوب جداً يخاف النقد، حتى البساطي البعيد جداً عن هرج الوسط الأدبي ومرجه ولا يهتم إلا بأمر الكتابة، ويعمل في منصب بعيد جداً عن الكتابة، وكيل وزارة في جهاز المحاسبات. وقليلاً ما يظهر، وإن ظهر في جمع يشرب الشاي ضاحكاً، أو وهو يشتري الكتب من معرض الكتاب وقد لا تراه ثانية إلا في المعرض المقبل.

رغم هذا الدرس الذي تعلمته من حكاية صالح لي عن ذلك الكاتب الكبير محمد البساطي، إلا أنني شاكستُه "مشاكسة المحبّ لكتاباته"، وقلت في مقال: "لماذا يصر البساطي في آخر عشر سنوات من عمره أن يطبع في كل عام رواية، وخصوصاً أن روايته الأخيرة فيها من روائح عالم نجيب محفوظ؟ وذلك من دون أن أدري عواقب كلماتي. وفي الصباح، على غير المعهود والمنتظر والمتخيّل، وجدت البساطي يطلبني في التلفون ضاحكاً، ثم بدأ غضبه يتّضح بعد قليل حينما قال: "وماذا تقصد، يا ولد، من الكلام الذي قلته بالأمس في الجريدة إياها؟"، حتى وصلنا في آخر الحديث إلى قيمة وسطية لتفسير كلامي، هنا ابتسم البساطي متراضياً ولو مؤقتاً، وقال: "كده أنا فهت كلامك، وبكده احنا متفقين يا ولد"، ولم أسمع صوته ثانية حتى رحل.

أما صالح العامري، الإنسان والرجل الحقيقي، فلن أفيه حقه في حادثة أليمة ومؤثرة مرّت في حياتي من عشرين سنة في ليل القاهرة، وإن كانت ذات دلالة عميقة على إنسانية صالح وشهامته، حتى وهو في بلد غريب غير بلده، وكان قد تعرّض لي ضابط ليلاً وهو معي، وأخذني إلى "قسم عابدين" عنوة، وإذا بصالح لا يذهب كي ينام في عزّ الشتاء، بل ذهب إلى القسم ويجلس هناك للصباح، حتى أن الضابط أمره أن يمشي ويترك أمري لما سوف يكون، إلا أن صالح أصرّ، وهو الغريب، أن لا يمشي إلا بعد أن يعرف مصير صديقه. وفي الصباح، قدّم جواز سفره لوكيل النيابة ولم ينم يوماً كاملاً، حتى عدنا إلى بيت المرحوم الكاتب علي المعمري في "غاردن سيتي"، وكم كانت السهرة جميلة في وجود الأميركية أستاذة الأدب واللغة "جل".

... رحم الله علي المعمري ومحمد البساطي، وأطال الله عمر الشاعر، الرجل صالح العامري.