شيء من قراءات 2025

29 ديسمبر 2025

(لويس ماركوسي)

+ الخط -

حين تسافر إلى مناطق سياحية شاطئية يصادف أن تجد في الفندق مكتبةً أو كُتباً متراكمةً، معروضةً لمن أراد القراءة، وأحياناً لمن أراد الاقتناء. تلك الكتب للسيّاح الذين تركوها وراءهم بعد أن قرأوها. القراءة جزءٌ من متعة الرحلة، يضع المسافر كتاباً أو اثنين في حقيبته ويستغلّ أيّ سانحة للقراءة. ويمكن مشاهدة اختلاط مشهد القراءة بصورة الماء بالقرب من أحواض السباحة. السفر بالطائرة بصحبة كتاب أيضاً يكون ممتعاً، فكم من كتاب مؤجّل بسبب زحمة الحياة يجد وقته الوافي للقراءة في الجو! وخصوصاً في الرحلات الطويلة. كان الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسّا حين يُسأل كيف يمكنه أن يبدّد ملل الرحلات الطويلة، خصوصاً أنّه أمضى وقتاً من عمره مدرّساً في جامعات أميركية وهو المقيم في إسبانيا، كان يجيب بأنّ الأمر بسيط جدّاً، خذ معك رواية واقرأها طوال الرحلة. ستكون إذن معظم هذه الكتب التي تركها السيّاح وراءهم روايات، وكثيراً ما يدفعني الفضول لتقليبها أو النظر إلى أغلفتها على الأقلّ، لأجدها بلغات عديدة، وخصوصاً الإنكليزية والروسية، نظراً إلى أعداد السيّاح الناطقين باللغتَيْن. ولكنّنا سنرى أن الهاتف بدأ ينافس بقوة الكتاب، بل يكاد يزحزحه. ولِمَ لا، فربّما لن يمضي وقت طويل قبل أن تصير عادة قراءة الكتب في الأماكن نادرة، ويعود الكتاب إلى مكانه في المنزل، بعد أن كانت القراءات العامّة المشهد السائد حتى في مترو الأنفاق كما رأيت هذا في موسكو، إذ يتّكئ بعض الواقفين على الكتاب وهم منهمكون في قراءته، وكأنّما يتكئون على المعرفة تحسّباً من السقوط. الآن يتّكئ معظمهم على الهواتف. ولكن من قال إنّ الهاتف لا يحتوي على معرفةٍ بديلة، فمن خلاله نتابع كلَّ جديد في الصحافة والإعلام، بل يمكنك أن ترى من خلاله أفلاماً ومباريات وتعبر مدن العالم المختلفة بضغطة زرّ. على الرغم من هذا، ما زال الكتاب رائجاً وربّما أماكن قراءته اختلفت، فبدل أن يقرأ في الساحات العامّة، صار مستقرّاً في البيوت.
بما أن العام الجاري على وشك الانتهاء، يمكن لعاشق القراءة أن يسأل كم كتاباً قرأ، وما نوعية الكتب التي قرأها؟ بالنسبة إلى كاتب هذه السطور، كان عام 2025 حافلاً بقراءات عديدة إلى درجة أنه يصعب حصرها، تعدّدت بين الروايات والقصص والدراسات النقدية والرحلات والسير الذاتية. وإذا أعجبني كتاب (وأمسك بزمامي) فإنّني غالباً ما أكتب عنه، خصوصاً إذا كان جديداً ولم يُكتب عنه كثيراً. وإن كانت الروايات هي الأكثر إقبالاً على القراءة في الأغلب الأعمّ، ستكون أيضاً الأكثر مللاً ومضيعةً للوقت ومجلبةً للضجر، خصوصاً حين تكون الرواية مشتّتةَ الحبكة وشحيمة، ومحشوّةً بإطالاتٍ لا داعي لها بغرض أن تظهر ضخمةً في عين الناظر، فأتركها أو أحاول تغيير مكان القراءة متعلّلاً بأنه ربما يكون السبب هو الحالة النفسية المتعلّقة بمكان بعينه، خصوصاً إن كان مغلقاً. وإذا استمرّ الفتور على حاله مع القراءات اللاحقة فإنني أترك الرواية إلى غير رجعة. ولا يحدُث هذا مع الكتب النقدية أو الدراسات التي أمنحها حقّها من القراءة نظراً إلى جديدها، كما حدث مثلاً مع ثلاثة كتب للناقد المصري محمّد الشحّات: "السرديات الخضراء"، و"خارج المنهج"، و"النظرية وتحدّيات الناقد الثقافي". تمتاز الكتب الثلاثة بأنها تجمع بين النظري والتطبيقي، فأنتَ في البداية أمام ترسانة نقدية رصينة معزّزة بالمراجع والإحالات من عشرات المتون العربية والأجنبية، ولكن الناقد لن يذهب بك بعيداً بين الصخور ويغرقك في أمور المنهج والمصطلحات، بل ستنفتح القراءة بعد ذلك على أعمال روائية تعزّز فكرة الكتاب وإشكاليته المنهجية التي انطلق منها. ومن أهم الروايات العربية التي قرأتها روايات زهران القاسمي "الروع"، و"صلاة القلق" لمحمّد سمير ندا، الحائزة الجائزةَ العالمية للرواية العربية (البوكر)، ولنجوى بركات "غيبة مي"، وأعمال سردية أخرى في القصّة والرحلة، مثل الرحلة الممتعة عن باكستان للعُمانية مريم البادي "على نهر كولجان"، كما كان للروايات المترجمة حظٌّ مهمٌّّ من القراءة، منها "الأشباح" للروسي أندريه بلاتونوف، وهو كاتب غير رائج كثيراً، رغم أن همنغواي تأثّر به كثيراً، كما توحي بذلك عبارته على ظهر الغلاف، إذ وضعه في مرتبة المُعلّم: "بلاتونوف من الكتّاب القلائل الذين ينبغي أن نتعلّم على أيديهم".

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي

كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية

محمود الرحبي