شيء من جلد الذات
(فريد بلكاهية)
حدثَ في 2018 أن مجلس الشعب المصري كان يناقش مشروع "قانون صندوق رعاية المبتكرين والنوابغ"، وفي الأثناء، قال النائب فتحي قنديل إن العالم المصري الراحل، أحمد زويل، لو بقي في مصر، ولم يُغادر (يهاجر) إلى الولايات المتحدة، لعمل فيها سائق تاكسي. ولم يقصد الرجل الإساءة إلى أصحاب هذه المهنة، وإنما أراد القول إن البيئة العامّة في مصر لن تتيح لزويل أن يصبح العالِم الذي صاره في جامعات الولايات المتحدة ومختبراتها، فأضاف في الكيمياء، وابتكر وأبدع، ومن ذلك اكتشافه "الفيمتو ثانية" الذي استحقّ عليه جائزة نوبل (1999). ولكن زويل نفسه كان قد قال، في حواريّةٍ معه في دبي، كان صاحب هذه الكلمات من حضورها، إنه لو بقي في مصر لصار مدرّس علوم، وأخبرنا بأنه ممن أفادوا من مجّانيّة التعليم وسويّته العالية في عهد جمال عبد الناصر.
يُذكّر بحكاية زويل تلك، سائقَ تاكسي أو مدرّسَ علوم، ما قاله الأميركي المصري، عبد الرحمن السيّد، الذي أحرز، أخيراً، بطاقة الترشّح في الحزب الديمقراطي في انتخابات الكونغرس النصفية المرتقبة، أنه كان سيصير سائق أجرة في بلده مصر، كما أبناء عمومته هناك، لولا هجرة والده إلى الولايات المتحدة التي صار فيها أستاذاً جامعياً. وكما سلفه زويل، أراد القول إن البيئة العامة في مصر لم تكن لتتيح له النجاح المهني طبيباً واختصاصياً في علم الأوبئة، ولا نجاحَه السياسي الذي قد يأخذه إلى أن يصبح أول سيناتور مسلم في الكونغرس في انتخابات أكتوبر المقبل النصفية.
... لا بأس هنا من مزاولة شيءٍ من "جلد الذات"، وهو التعبير التقليدي الرتيب، أو تذكيرٍ بـ"عطب الذات" (استئناساً بأستاذنا وصديقنا برهان غليون)، في بلادنا العربية الزاهرة، فقد صحّ ما جاء عليه الصديق علي أنوزلا في مقالته في "العربي الجديد" ("أميركا التي تتغيّر" 12/8/2026)، عن رمزية مسار حياةٍ كان يمكن أن تكون مختلفةً في بيئةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وسلطويةٍ مغلقةٍ، وأن المفارقة الكبرى أن عبد الرحمن السيد ينتقل من احتمال قيادة سيارة أجرة إلى احتمال أن يترشّح، يوماً ما، لقيادة أقوى بلد (الولايات المتحدة). والفرق هنا "ليس في المقود الذي سيجلس خلفه، وإنّما في الطريق التي تقودُ إليه؛ ليس في السائق، وإنّما في النظام الذي يسمح له بالحلم والصعود والمنافسة. قصّة السيّد تذكّرنا في العالم العربي بأنّ المسافة بين سائق التاكسي وسائق البلد ليست مسافةً اجتماعيةً، وإنّما مسافة حرّية وديمقراطية تُحسب بسنوات ضوئية عديدة".
أظنّه كبد الحقيقة هنا، أن بلادنا العربية تعرف أكثر مظاهر الحداثة تقدّماً، وتدخل زمن الذكاء الاصطناعي بهمّةٍ بادية، وتدير أزمة كوفيد – 19 بكيفيّات أكثر نجاعة مما فعلت الولايات المتحدة وفرنسا. ولكن عوامل ومعطياتٍ قائمة تضعها في مستوىً متخلّفٍ من حيث تطور الحياة السياسية وآفاقها، منها انغلاق السياسة فيها، وتعامل صاحب القرار مع الشعب بمنطق الريبة الأمنية، وتآكل الثقة بين المجتمعات والحكومات، والازورار الواسع عن التصويت في الانتخابات (20% شاركوا في انتخابات الجزائر الشهر الماضي)، والانصراف المهول عن الأحزاب (6% بحسب "المؤشّر العربي" 2024- 2025)، مع شساعة البطالة بين الشباب (معدّلها بين الأردنيين في الفئة 15-24 عاماً نحو 45% خلال الربع الأول من 2026)، وضعف شديد في فرص تصعيد نخب متجدّدة، وإشهار والدة جوليو ريجيني إنهم (في مصر) عذّبوا ابنها كما لو كان مصرياً، فضلاً عن إحباط الشعوب العربية بعد الانتكاسات المتتالية لما بشّرت به أجواء الربيع العربي قبل 15 عاماً، في مصر واليمن وغيرهما، وهذا الجاري في تونس، منذ بدأ قيس سعيّد يخرّب معنى السياسة ويميت النقاش العام، يشيع، من بلد ثورة الياسمين التي أبهرت العرب بوعودها، سويداء حادّة في الزمن السياسي العربي الراهن. وما شوهد في سبتة، قبل أيام، ينضاف شاهداً على شواهد غزيرة قد تعزّز اليأس.
في هذه البيئات العربية، موجزة الوصف أعلاه، يساهم التطبيع الذي صرنا عليه مع "روتينيّة" الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية في غزّة ولبنان (وأين شاءت) في شحوبها، يصبح من المستحيل (هل من مبالغة؟) أن نرى فيها كفاءاتٍ شابّةً شجاعة مقدامة طموحة خلاقة، من قماشة عبد الرحمن السيد وزاهر ممداني وأترابهما من شبّانٍ وشابّاتٍ من أسر مهاجرة عربية ومسلمة في الولايات المتحدة، ذلك أن على من يريد الستر والرزق الحلال أن يعمل سائق أجرة، وليحكم من يحكم، ولتتركّب البرلمانات والحكومات كما يراد لها... ولأيٍّ أن يزاول نوباتٍ من جلد الذات كما يشاء.