شوارد أفكار في موازين القوى والأوراق العسكرية الإسرائيلية

28 نوفمبر 2025
+ الخط -

لنتساءل تساؤل العارف: هل ما يجري في قطاع غزّة مجرّد ترتيبات أمنية لوقف النار وتبادل الأسرى والجثامين وإعادة تنظيم الأحوال اليومية في القطاع المدمّر، أم هو مقدّمة غامضة لسلام أميركي في الشرق الأوسط غير واضح المعالم؟ وبحسب الصياح الذي لا يتوقف لمسؤولي الإدارة الأميركية، تتطلع هذه الإدارة إلى أن يكون وقف النار في غزّة (وليس وقف الحرب) مدخلاً إلى سلام شامل في المنطقة العربية. والمقصود إليه هنا السلام الإسرائيلي الأميركي مع لبنان وسورية والعراق والسعودية. لكن، ما هو محتوى ذلك السلام الذي تتطلع إليه الإدارة الأميركية وإسرائيل؟

ما يعرضه قادة الولايات المتحدة من أفكار ومشروعات هو، حتى الآن، استعراض مشهدي يشبه الاحتفال بالمفرقعات النارية، ولا سيما أن الرئيس دونالد ترامب ما برح يتناهى في زهوه ولا ينتهي عن لهوه، كأنه في قاعة مرايا لا يرى إلا نفسه كيفما تحرّك؛ فهو ما انفكّ يتباهى بإنجازاته "المثيرة" في وقف الحروب وصنع السلام. والواقع أن الصراعات المتفجّرة ما زالت محتدمة في بقاع الأرض كلها، ولا سلام في أي مكان زعم ترامب أنه أرسى السلام فيه. وهذه هي حال غزّة ولبنان وسورية واليمن وليبيا والسودان وأوكرانيا (لننظر ما ستكون عليه أحوال فنزويلا قريباً). أما الهند وباكستان فقد أوقفتا النزاع بينهما من دون أي حاجة لترامب، بل نزولاً عند خوفهما أن يتطوّر، وهما دولتان نوويتان، إلى حرب شاملة. وكذلك خمد النزاع بين باكستان وأفغانستان من غير الحاجة إلى عبقريات ترامب المزعومة. والواضح، إلى حد بعيد، أن الدول الكبرى ما عادت تمتلك سياسات طويلة الأجل قائمة على تصوّرات استراتيجية، مثل مبدأ مونرو أو مبدأ ترومان أو مبدأ أيزنهاور أو مشروع مارشال، بل باتت سياساتها قصيرة الأجل ومتذبذبة ومتغيّرة وتتمايل على إيقاع صعود الأحزاب الحاكمة وسقوطها. ومن غرائب الأمور الفلسطينية أن كثيرين ممن كانوا مناوئين للسياسات الأميركية تباروا في امتداح الرئيس ترامب، وراحوا يشيدون، بلا حرج أو خجل، بجهده في وقف النار في غزة (انظر: بيان الفصائل الفلسطينية الصادر في القاهرة في 24/10/2025)، وتناسى الجميع، بما في ذلك حركة حماس، أن ترامب كان قائد الحرب على قطاع غزّة في طورها الأخير، ورئيس الأركان المخفي للجيش الإسرائيلي.

تؤكّد التجربة الواقعية أن من غير الممكن إحداث تغيير جوهري في منظّمة التحرير من خارجها ومن خارج مؤسّساتها

غيّرت هذه الحرب المعالم السياسية للمشرق العربي كله، وجعلت الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط، وعلى سورية والعراق بالدرجة الأولى، أمراً ممكناً وفي متناول اليد الإسرائيلية، بعدما كان هذا الأمر عسيراً جدّاً قبل ثلاث سنوات. ومع ذلك، تبدو إسرائيل غير قادرة على تحويل إنجازاتها العسكرية المتحقّقة إلى أوراق سياسية حاسمة ورابحة من دون الولايات المتحدة التي تسعى، في الوقت نفسه، إلى احتواء سورية وإسرائيل وإيران (الاحتواء المزدوج زائد إيران)، ما يؤدّي أحياناً إلى تضارب الرؤى بين إسرائيل والولايات المتحدة. والأخيرة تفهم السلام الذي تشدو به اليوم حناجر قادتها أنه السلام بالقوة القاهرة الذي من شأنه أن يَعِدَ الفلسطينيين ببعض لقيمات من "الكرامة الوطنية "، وهو ما تخشاه إسرائيل وترفضه بقوة، إذ تفهم السلام أنه "السلام لإسرائيل"، أي إقامة منطقة أمنية آمنة في محيطها؛ لا توجد فيها أي قوى معادية، أو قوات عسكرية ربما تتحوّل في يوم، وفي أحوال متبدلة، إلى قوات معادية. وفوق ذلك، تصرّ إسرائيل على منع الدول المحيطة بها من امتلاك جيوش، حتى لو كانت تلك الجيوش منزوعة الأسلحة الاستراتيجية كالصواريخ والطائرات ووسائل الحرب الإلكترونية. وهي ترفض، بطبيعة الحال، فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة وتفكيك بعض المستوطنات والانسحاب من القدس الشرقية والجولان، وتجهد لجعل قطاع غزّة منطقة منزوعة السلاح، بحيث لا تهدّد، في أي يوم، الأمن الإسرائيلي. وباختصار، اليمين الإسرائيلي، ومعه اليسار الإسرائيلي، لا يريد أي ارتباط سياسي في المستقبل بين الضفة الغربية وقطاع غزّة، ولا يريد أي حل في القدس غير الحل القائم، أي الاستمرار في احتلال المدينة. ولا يريد أي اتفاق سياسي مع "دولة فلسطين"، حتى لو كان أقل من إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو). واليمين الإسرائيلي الفاشي مستعدٌّ، بعد الضربة التي تلقاها في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول (2023)، أن يقترف الإبادة العرقية (وهو ما فعله ويفعله في كل يوم) بالقدر الذي يتيح له تحقيق الإبادة السياسية (politicide) التي من شأنها إخماد الوطنية الفلسطينية، ومنع الفلسطينيين من أن يؤسّسوا كياناً سياسيّاً طبيعيّاً في المستقبل.

لا إمكان إطلاقاً لالتقاء التفكيرين الإسرائيلي والفلسطيني في شأن السلام المتخيّل الذي يحكى عنه. وبناء على هذه الرؤية، إسرائيل لا تهمّها فكرة السلام، بل تتطلع إلى تطوير "ستاتيكو" جديد يمنحها مزيداً من الأمن الاستراتيجي المديد، ويجعل الأمور في محيطها العربي تسير نحو لا مكان، أي نحو الفوضى، وبلا هدفٍ محدّد، مثل القطارات الشاردة التي تسير فوق سكك الحديد من غير سائق. وهذا يعني بقاء دار لقمان على حالها: الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، والاستيطان يتمدّد ويتمدّد، وغزّة منطقة تُدار عربيّاً ودوليّاً تحت العين الاستخبارية الإسرائيلية، بحسب منطوق قرار مجلس الأمن 2803 الصادر في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، والهيمنة الأميركية على لبنان وسورية والعراق أمرٌ بدهي، على أن تبقى مصر وتركيا والسعودية واقفة باستعداد عند خاطر المطالب الأمنية الأميركية (الإسرائيلية ضمناً)، وسيكون من المفرح جدّاً أن تعود إيران إلى الأحضان الأميركية الدافئة التي كانت غادرتها في 1979. أي أن إسرائيل تريد، باختصار، أن تستخول الجيوش العربية، خصوصاً الجيشين السوري واللبناني، كي يتحوّلا إلى حرّاس أمن لها، وأن تقضي على أي مقاومة يمكن أن تنشأ في جنوب لبنان أو في جنوب سورية أو في جنوب فلسطين. إنهم، باختصار، يريدوننا أن نعتنق الصهيونية، وأن نكون مسرورين في الوقت نفسه.

 إسرائيل لا تهمّها فكرة السلام، بل تتطلع إلى تطوير "ستاتيكو" جديد يمنحها مزيداً من الأمن الاستراتيجي المديد، ويجعل الأمور في محيطها العربي تسير نحو الفوضى

لنعترف أن برنامج حل الدولتين دفنه اليمين الديني الإسرائيلي فور اغتيال يتسحاق رابين في 1995، ودفن معه الزخم السياسي لإعلان المبادئ (اتفاق أوسلو). وكان اغتيال ياسر عرفات في 2004 الإعلان النهائي عن موت اتفاق أوسلو. ولنعترف أيضاً أن نهج المقاومة التي ابتدعته حركة فتح إبّان الحرب الباردة لم يفضِ إلى نتائج حاسمة في مسيرة التحرّر الوطني. وفشل كذلك نهج المقاومة على طريقة حركة حماس، أي العمليات الانتحارية (الاستشهادية) في طورها الأول، ثم المواجهات العسكرية المتباعدة في طورها الثاني الأخير. وقصارى القول إن حل الدولة الديمقراطية العَلمانية الذي صاغته حركة فتح في 1968 كان مستحيلاً، خصوصاً بعد الانتصار الإسرائيلي الماحق في حرب حزيران/ يونيو (1967). وإن حل الدولة الفلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزّة الذي ظهر بقوة بعد حرب أكتوبر (1973) لم يكن واقعيّاً تماماً. وإن حل الدولتين الذي ارتفع في 1988، واتخذ قوامه في اتفاق أوسلو، انتهى في 1995. أما الدولة ثنائية القومية، وكذلك الدولة الواحدة على غرار جنوب أفريقيا، أي دولة لجميع مواطنيها المتساوين، فهي مستحيلة، لأن الطرف الأقوى والمهيمن والمنتصر يرفضها بقوة، ومن المحال تغيير موقفه ما لم تتغيّر موازين القوى في يوم من الأيام. ولا أعرف ما ستكون عليه موازين القوى في المستقبل القريب أو البعيد، وهو مستقبل ليس زاهياً على الراجح، لأن المستقبل هو ما نصنعه اليوم، واليوم هو ما علمتم، وذقتم، وكل ما نصبو إليه في هذه الحقبة التي لا انتصارات فيها ألبتّة هو تقليل الخسائر، والحفاظ على جمار قضية فلسطين كي لا تتحول عقيدة التحرّر الوطني إلى رماد.

وفي ميدان الكلام على ضرورة استعادة منظّمة التحرير الفلسطينية إلى نهج التحرّر الوطني ومقاومة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، وهو كلام متواتر جداً، تؤكّد التجربة الواقعية أن من غير الممكن إحداث تغيير جوهري في منظّمة التحرير من خارجها ومن خارج مؤسّساتها. لنتذكّر تجربة جبهة الرفض في 1974، وتجارب ما بعد 1982 مثل جبهة الإنقاذ (اقرأ: جبهة الأنقاض) في 1985، وصيغة الفصائل العشر في 1991، وصيغة تحالف القوى الفلسطينية في 1993، وغير ذلك من تجارب كانت وبالاً في بعض وجوهها. حتى أن "حماس"، وهي منظّمة شعبية واسعة الانتشار، ومدعومة من جماعة الإخوان المسلمين ومن إيران، ومن سورية في حقبة ماضية، علاوة على الدعم الذي تتلقّاه من قطر وتركيا، لم تتمكّن، مع ذلك، من إحداث تغيير جدّي في المؤسسة السياسية الفلسطينية وفي النظام السياسي الفلسطيني. وفي هذه الحال، لا بد من أن تتمكّن النخب الفلسطينية المجرّبة في لحظة مواتية، من ابتداع أفكار تلائم العصر، ومن صوْغ برنامج جديد وعملي للاستقلال الوطني يأخذ في الحسبان وقائع الأحوال الجارية، والمخاطر المُحدقة بقضية الشعب الفلسطيني، وموازين القوى الراهنة والمحتملة، بما في ذلك التفوّق العسكري والعلمي والتكنولوجي لإسرائيل، والدعم الذي لا حدود له الذي تتلقّاه من الإمبريالية الأميركية. ومثلما أن لا صلاة من دون وضوء، لا يمكن الوصول إلى عتبة التحرّر الوطني من دون أوراق القوة، وفي مقدّمها المقاومة، ولكن بصيغ جديدة ومبتكرة.

شوارد الأفكار هذه، المسطورة هنا، إنما هي رهانات على المستقبل، وليست قراءة في الواقع الراهن شديد القتامة.