شعراء الرتويت

21 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

منذ تعرفتُ على عوالم التواصل الاجتماعي، وأنا أتابع تجارب شعراء في النشر عبر هذه العوالم، بعينٍ فاحصةٍ لتلك التجارب التي لم أستسغها شخصيا، على الرغم من نشاطي التدويني الكبير في "فيسبوك" ولاحقا في "تويتر". وعلى الرغم من أن الأمر بدأ بشكل عفوي، عندما وجد الشعراء والكتاب أنفسهم لأول مرة يمارسون دور الناشر الفوري لكل ما يكتبونه بلا أي تبعاتٍ تُذكر، فاستمرأوا الوضع واستمروا فيه، بعد أن لاحظوا نوعا غير مألوفٍ من التفاعل الجماهيري معهم، ومع ما ينشرونه، بعيدا عن النقد قريبا من المدح في صورته البدائية وحسب! لكن هذا الأسلوب في التفاعل ما بين الشاعر والمتلقي، أو بين القصيدة والجمهور سرعان ما انتشر مع تزايد عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، واتخذها الجميع تقريبا منصّات دائمة للنشر والتدوين، ما شكّل خطرا على ممارسة التلقي، وما تحتاجه من روية وأدوات، حتى وإن كانت غير محسوسة أو مرئية من ممتلكيها والمستفيدين منها.
مضت سنوات قليلة على البدايات المتسارعة في النشر الإلكتروني الذي انتقل إلى مرحلة التدوين الفوري، ما ضاعف من خطر الممارسة برمتها. .. ومع أن هذا قد يبدو منطقيا ومفهوما للهواة الذين بدأوا بتجارب الكتابة في وسائل التواصل تلك، إلا أنه لا يبدو كذلك بالنسبة لغيرهم من الشعراء المتحققين في التجربة فعليا، فلا أفهم مثلا لماذا يسارع بعض هؤلاء الشعراء إلى نشر قصائدهم الجديدة في منصات التواصل الاجتماعي، قبل نشرها في صحف أو مجلات أو مواقع إلكترونية أو حتى كتب؟ نعم .. السهولة في النشر والسرعة والمجانية والاستقلالية عوالم مغرية لهم، ولكن مثل هذه التجربة محفوفةٌ بمخاطر كثيرة، لا تتعلق بدرجة الأمان في تلك الوسائل، فهذا أمر له حلول كثيرة جدا، ولا يؤثر على القصيدة وحقوق ملكيتها منه، ولكن المخاطر تتعلق بالشعرية ذاتها. 
سبق لي وأن تناولت الأمر في مقال سابق تحدثت فيه عمّا أسميتهم بالشعراء المماليك، تشبيها لهم بشعراء عرب وغير عرب كثيرين ظهروا في العصر المملوكي، وخضعوا لقواعده الفنية العامة في التعامل مع الشعر، ما نتج عنه مرحلة من أسوأ المراحل في تاريخ القصيدة العربية، حيث فارقت القصيدة في تلك الحاضنة التاريخية معناها الحقيقي لصالح الزخرفات، وما يسمّى بالمحسنات اللفظية المفتعلة بأشكال صارخة وغريبة عن فطرة الشعر العربية، وها هو الأمر يتكرّر الآن بشكل جديد يبدو مريحا وأنيقا للشاعر، ولكن ليس كذلك بالنسبة للقصيدة!
يخضع الشعراء الذين أدمنوا النشر شبه اليومي في مواقع التواصل الاجتماعي إلى مزاجية الجمهور العام، لا المتلقّي الفردي، ما يتعارض وفردانية القصيدة وخصوصيتها في ذهنية الشعرية المنتجة لها عموما. والجمهور يعبر عن سلطته الطاغية في تلك الوسائل الجديدة، عبر إعادة النشر السريع والتلقائي، بالإضافة إلى الضغط على أزرار الإعجابات وغيرها من أدواتٍ لا تكلفه سوى فعل الضغط على تلك الأزرار في حركةٍ شبه آلية، تتيح له الاختيار بين تعبيرات جاهزة في قوالب محدّدة مسبقا. وفي بعض الأحيان، يتعدى التعبير ذلك إلى بضع كلمات تتيحها تلك الوسائل، غالبا ما تبدو سريعة ومكرورة بشكلٍ يبعث على الأسى الحقيقي في غياب النقد الجاد وانزوائه! 
نعم.. لقد أصبح الشعراء من مدمني النشر الفوري في "فيسبوك" و"تويتر" تحديدا، يبحثون عن "الرتويتات" و"اللايكات" إلى درجة الهوس، فتخلوا عن معنى القصيدة الحقيقي، على الرغم من أن معظم من أراهم نماذج على هذا الدرب شعراء مبدعون فعلا، أو كانوا كذلك، لكنهم خضعوا تماما لسطلة الجمهور الطاغية في منصّات وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبحوا ينتجون قصائدهم باستهلاكيةٍ تناسب طبيعة هذه الوسائل، ناسين أو متناسين أن القصيدة لا تقبل الخضوع!