شعب "الوكالة"

شعب "الوكالة"

26 ديسمبر 2021
+ الخط -

اعتدنا أن نسمع من بلطجي حارتنا عبارة متكرّرة، كلما أراد إلقاء الرعب في قلوبنا، بمناسبة ومن دونها: "مهمّتي بقر البطون ومهمّة الأطباء خياطتها"... كانت تلك العبارة تتردّد في ذهني، فأتخيّل التوزيع "العادل" للمهمّات، أناس يدمّرون وآخرون يرمّمون، فئة تمتهن الخراب، وأخرى تتبعها لرفع الأنقاض. على هذا المنوال، سارت عجلتا الموت والحياة، وعلى الأغلب يكون السبق دوماً للأولى؛ لأنّ الثانية تعمل وفق ردّة الفعل وتترك الفعل للأولى، من دون أدنى محاولةٍ لقطع الطريق عليها وتوجيه ضربةٍ رادعة لها.
وعلى هذا المنوال، أيضاً، تبدو العلاقة بين إسرائيل ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، فهذه المنظمة الأممية أنشئت لترميم آثار العدوان التي حلّت باللاجئين الفلسطينيين المهجّرين عن أراضيهم المحتلة، بقرار دوليّ. ومن الواضح أنّها جاءت محاولةً بائسة للتكفير عن خطيئة الغرب في تواطئه على إغماد الكيان الصهيوني في أرضٍ لا يملكها الطرفان، وعن صدمته بأفواج النازحين واللاجئين الذين خسروا كلّ ما يملكون، ولم يحملوا فوق أكتافهم غير أطفالهم وصرر ثيابهم.
كانت مهمة البلطجي الصهيوني بقر هذه البقعة الجغرافية بسكّانها، وجاءت مهمة "أونروا" لترميم الجراح، ومعاونة اللاجئين على تحمّل شظف العيش بتوزيع المؤن، ولاحقًا بالتعليم، وتغلغلت في المخيمات وتجمّعات اللاجئين، ولتصبح في ما بعد جزءاً من حياتهم اليومية، سيما مع اشتغال جزء غير يسير من الفلسطينيين في هذه الوكالة، عمّالًا ومعلمين، حتّى أصبح الارتباط بين الطرفين عضويّاً لا ينتهي إلّا بحلّ القضية الفلسطينية ذاتها حلّاً عادلاً يضمن حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين. 
ولعلّ البند السابق، تحديداً (حقّ العودة)، هو ما جعل من "أونروا" خصماً لإسرائيل والولايات المتحدة، اللتين شرعتا بمحاربة هذه الوكالة الأممية، سيما في عهد ترامب؛ للقضاء على حقّ العودة قضاءً مبرماً وإجهاض حلم اللاجئين بالرجوع إلى وطنهم. واتخذت الحرب شكل التضييق المادي، ووقف المساهمات والمعونات المالية أو تقليصها للوكالة، مقابل مؤتمرات سنوية تُعقد لإنقاذها واستقطاب المساعدات لها، سيما من الدول التي تتحمّل عبء اللجوء الفلسطيني، كالأردن ولبنان، وجديدها مؤتمر المانحين الذي انعقد في بروكسل منتصف الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، برئاسة الأردن والسويد، والأخيرة واحدةُ من دول أوروبية وسطية تؤيد حلّاً عادلاً قائماً على إنشاء دولتين.
لم تعد "أونروا" محض وكالة مساعدات، بل غدت منظمةً سياسيةً يحاول مساهمون من خلالها تسجيل مواقف بشأن رؤيتهم لحل معضلة الصراع في الشرق الأوسط، سيما عندما تتبنّى تلك الأطراف مبدأ ديمومة عمل الوكالة إلى حين انتهاء الصراع وحل المعضلة، فيما يسعى آخرون إلى وأدها، للتدليل على مواقف مناقضة تشطب حقّ العودة، وحقّ إقامة دولة فلسطينية. والمدهش حقاً أنّ اللاجئين الفلسطينيين الذين حاربوا الوكالة لدى بداية عملها، ورأوا فيها محاولةً للتورية على جريمة احتلال وطنهم، خصوصاً عندما كان يستهزئ بهم بعضٌ ممّن أسماهم "شعب الوكالة" سيما عندما كانوا يرون طوابيرهم ممتدّة على أبواب مراكزها، بحثاً عن "بقجة مساعدات"، هم أنفسهم الفلسطينيون الذين أصبحوا الآن من أشدّ المدافعين عن بقائها، وديمومة عملها؛ لأنّهم رأوا فيها، بعد كل محاولات طمس الهوية التي عانوا منها، ملاذاً لحفظ حقوقهم وتفريد هويتهم.
ذلك بالضبط ما فات البلطجي الصهيوني عندما بقر بطن فلسطين وشرّد شعبها، وراح يتمطّى فوق الأرض المحتلة، ناظراً بعين السخرية والازدراء إلى الوكالة وكوادرها، وهم يحاولون ترميم آثار ما اقترفته يداه الحاقدتان. ظنّ أنّ مهمته انتهت بجريمته، ولا علاقة له بما سيفعله "أطباء العالم"، علماً أنّه كان حريًّا به، أن يكون المساهم الأول والأكبر في ميزانية الوكالة، كونه المسبّب الأساسي للمأساة، غير أنّ الأحداث أبت إلّا أن تصدم هذا البلطجي، عندما رأى أنّ جريمته انقلبت عليه، وغدت "أونروا" خصماً مضافاً إلى خصومه الكثر، بل هي خصم دوليّ هذه المرّة، لأولئك الذين أدركوا، ولو متأخرين، فداحة ما أفضت إليه مواقفهم المائعة سابقاً عندما غضّوا الطرف عمّا فعلته إسرائيل بـ"شعب الوكالة".