شريف مجدلاني يسجّل انهياراتنا

12 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

حين قرّرتُ قراءة العمل الصادر حديثا عن دار "آكت سود" الفرنسية بالشراكة مع دار "شرق الكتّاب" اللبنانية، والحائز جائزةً استحدثتها "فيمينا" (الجائزة الأدبية الفرنسية) خصيصا بعنوان "جائزة لجنة الحكام الخاصة"، تكريمًا لكاتبه، اللبناني الفرنكفوني شريف مجدلاني، فعلتُ بباعث الفضول ومدفوعةً بالسّؤال: كيف تمكّن شريف من الكتابة عن "الفظاعة" التي ألمّت بنا، بهذه السرعة، ونحن لمّا نستفق بعد من الصدمة أو نلملم جراحَنا وقتلانا؟ والحال أني لم أطرح سؤالي هذا عن سوء نيّة، فشريف أكنّ له المودّة والاحترام، وقد جمعنا أكثر من لقاء وحوار أيام كانت انتفاضة 17 تشرين قد بدأت تصاب بالإعياء. وإنما طرحتُه لشعوري بالعجز التام عن كتابة أي شيء عن انفجار بيروت، ورفضي أكثر من مرّة المشاركة بتلك المقالات التي تسارع لجمع ردود فعل الكتّاب. 
ثم قرأت "بيروت 2020، يوميات انهيار"، لأكتشف أن مجدلاني كان قد بدأ بتدوين يومياته في الأول من شهر يوليو/ تموز 2020، توقف عن الكتابة بين 4 و10 أغسطس/ آب إثر الانفجار الكبير، ليستأنف من ثمّ منهيا يومياته تلك في الثامن عشر من الشهر نفسه. والحقيقة أنه لم يكتب عن انهيارٍ واحد، وإنما عن انهياراتٍ متتاليةٍ بدا له أنها تنتهي بذروة مأساوية تُصيب لبنان كل 30 عاما. فكما كانت الحرب الأهلية إحدى تلك الذرى بعد استقلال لبنان عام 1945، زُرعت "في مبدأ الجمهورية الثانية بالذات، وفي تحوّل أمراء الحرب إلى ساسة، جيناتُ الانهيار الثاني" (ص 21).
تتوالى يوميات مجدلاني كيوميات أيّ لبناني يقضي أيامه وهو يُصلح الأعطال، ويعاني العطوب، ويقاوم ضدّ الظلم والقهر والفساد، فآلة الغسل المعطلّة ستحتاج للإصلاح أكثر من مرة، والتيار الكهربائي غائب، والنفايات تتراكم في الشوارع، والمصارف استولت على ودائع الناس، والأزمة الاقتصادية مستفحلة، وعدد كبير من الشبان يهاجرون، وموارد البلد كلها منهوبة وما تزال، والأمل بأي تغييرٍ بات في خبر كان، بعد قمع الانتفاضة وانتشار كوفيد 19... لبنان الذي كان ينبغي أن يُحتفل بذكرى مرور مائة عام على إنشائه، ينازع ويضمحلّ. ومع ذلك، لا يبدو هذا كلّه كافيا، فإذا بانفجار 4 آب يأتي ليكلّل المصائب المتكاثرة المتضافرة بكارثةٍ مخيفةٍ تنسف القليلَ مما تبقى: "كما لو أن الانهيار الذي كنت أُخبر عنه لم يكن بالسرعة الكافية، والانحطاط غير متقن بما يكفي، فإذا بقوةٍ لعينةٍ تقرّر إعطاءهما دفعا. وها هو كل ما بقي واقفا بعدُ، ينهار في بضع ثوان" (ص 100).
في خمس صفحات لا أكثر (115- 119)، وهي من أهمّها وأكثفها، يصف مجدلاني ما سمعه من كلماتٍ وجُمل وتأوّهاتٍ تروي مصائر من يعرفهم ومن لا يعرفهم، ممّن أصابهم الانفجار، فيبدو كمن يعرض شريطا صوتيا وقعت عليه أصواتُ المصابين والجرحى والناجين، إثر وقوع الانفجار، معيدا إحياء لحظاتٍ أبوكاليبتية، متّصلةٍ لا تفرّق بينها نقاط، مثلما هو الوجع الذي انتشر في عتمة الشوارع، حيث أنقذ الناس بعضهم بعضا، أو سقطوا بين أذرع غرباء. هي القيامة في لحظاتها الأولى، عتمة الهلاك، ثم عودة الحياة مع شباب نزلوا إلى المناطق المنكوبة، يكنسون، ويجمعون الركام، ويرفعون أطنان شظايا الزجاج الذي انهال على الأجسام والوجوه والبيوت. "19 أغسطس/ آب. كإجابة، هذا الصباح، يافطات حمراء وبيضاء مرفوعة على بعض واجهات أبنية متضررة جدا في حي مار مخايل، حيث عبرتُ مع سارية: "لن نرحل سنعيد بناء بيروت"....
يُقرأ "بيروت 2020" في بضع ساعات. لستُ أدري كيف يستقبله قارئ فرنسي، لكنّ اللبناني سيشعر أنه رأى شريطا وثائقيا سُجّل من دون إخراج، ولا توليف، ولا ادّعاء جمالي، خلال شهر تقريبا، انهيارا لم تختفِ أو تخفّ قوّتُه التدميرية التي تدفعنا قدما إلى ... تحت.